أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه يهجر»

من جملة ما اعتمد عليه الرافضة في الطعن في عمر رضي الله عنه وتكفيره، ما يعرف بحديث "رزية الخميس" في مرض وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ ادعوا أن عمر رضي الله عنه هو من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه "يهجر" (أي يهذي من شدة الوجع) حين طلب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا لن يضلوا بعده.

يقول عالمهم علي بن يونس العاملي في كتابه «الصراط المستقيم" (3/3): «أن النبي صلى الله عليه وآله طلب دواة وكتفًا؛ ليكتب لهم كتابًا لا يختلفون بعده، وأراد النص على علي عليه السلام..، فلما أحس عمر بذلك منعه وقال: إنه يهجر». وبناءً على هذا الادعاء، حكموا بسب عمر رضي الله عنه للنبي وردته صلى الله عليه وسلم؛ كما زعم التستري بقوله: «أول من سب رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه..، هو عمر بن الخطاب حيث قال: إن الرجل ليهجر" («الصوارم المهرقة»، ص224).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: اعتراف علماء الشيعة بخلو كتبهم من هذه الرواية

 من أعجب الأمور أن الشيعة الذين يكفرون الفاروق بناءً على هذه الكلمة، لا يملكون رواية واحدة في كتبهم تثبت أن عمر رضي الله عنه قالها، بل اعتمدوا كليًّا على ما ورد في كتب أهل السنة.

يقول عالمهم محمد آصف محسني: «من عجيب الحال أنه لا رواية عند الشيعة، ولو بسند ضعيف، تروي ما قال عمر ومن تبعه لرسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه..، أن الرجل يهجر أو غلبه الوجع (كلتا الجملتين واحد)" («مشرعة بحار الأنوار»، 1/402).

فالمسألة عند الرافضة هي مجرد استغلال لنصوص أهل السنة وبترها عن سياقها للطعن في الصحابة.

ثانيًا: العبارة لم تثبت عن عمر في أي رواية

عند فحص روايات "رزية الخميس" في الصحيحين وغيرهما، نجد أن لفظ "يهجر" لم ينسب قط لعمر بن الخطاب، بل نُسب لعمر قوله: "غلبه الوجع".

أما لفظ "يهجر" فجاء بصيغة الجمع "قالوا" أو نُسب لـ "بعض الرجال" المجهولين. ففي «صحيح البخاري» (4/1612، برقم 4169) جاء اللفظ: «فقال بعضهم: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا». وفي رواية أخرى للبخاري (3/1156، برقم 2997): «فقالوا: ما له؟ أهجر؟ استفهموه».

وهذا يثبت أن القائلين كانوا جماعة ولم يكن فردًا واحدًا، وأن عمر رضي الله عنه لم يتفوه بهذه الكلمة تحديدًا.

تساءل الدهلوي مستنكرًا: «من أين يثبت أن قائل هذا القول هو عمر رضي الله عنه مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع؟!» («مختصر التحفة الإثني عشرية»، ص250).

ثالثًا: العبارة وردت بصيغة "الاستفهام الاستنكاري

" ذهب كبار المحققين كالقاضي عياض والنووي وابن حجر إلى أن الكلمة وردت "أهجر؟" بالهمزة، وهي للاستفهام الإنكاري على من توقف في إحضار الدواة، وليست خبرًا.

قال القرطبي في توضيح هذا المعنى: «إنما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف؟! أتظن أنه قال هذيانًا؟ فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق، لا الهجر» («المفهم»، 4/560).

فالقائل كان ينكر على من ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعي ما يقول بسبب المرض.

رابعًا: اعتذار العلماء لمن قالها بالدهشة وعظيم المصاب

على فرض أنها لم تكن استفهامًا، فقد صدرت من بعض الحاضرين (ممن قرب إسلامهم أو غلبهم الذهول) بسبب الفزع من هول الموقف وقرب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام النووي: «كانت خطأ من قائلها، قالها بغير تحقيق، بل لما أصابه من الحيرة والدهشة؛ لعظيم ما شاهده من النبي صلى الله عليه وسلم..، وخوف الفتن، والضلال بعده» («شرح صحيح مسلم»، 11/93).

ويؤيد الحافظ ابن حجر هذا الاحتمال بقوله: «ويظهر لي ترجيح..، أن قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله" («فتح الباري»، 8/132).

خامسًا: مقصد عمر من قوله: "غلبه الوجع"

إن الثابت عن عمر رضي الله عنه هو قوله: "غلبه الوجع"؛ وهذا الكلام قاله عمر رضي الله عنه شفقةً ورحمةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، لئلا يجهد نفسه بالكتابة وهو في تلك الحالة الشديدة من المرض، خاصة وأن القرآن الذي هو "تبيان لكل شيء" موجود بين أيديهم.

ولم يكن عمر رضي الله عنه يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم سيموت في مرضه ذلك؛ بدليل صدمته الشديدة عند إعلان الوفاة.

سادسًا: صمت علي بن أبي طالب وثناؤه اللاحق على عمر رضي الله عنهما

لو كان ما صدر من عمر رضي الله عنه سبًّا أو طعنًا في النبوة، لكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه -وهو الحاضر في المجلس- أول من أنكر عليه.

لكننا نجد عليًّا رضي الله عنه يزوجه ابنته أم كلثوم، ويثني عليه بعد موته.

أفيكون هذا صنيع من يرى أن عمر سب النبي صلى الله عليه وسلم أو كفر؟! إن فعل علي رضي الله عنه هو أقوى شهادة على براءة عمر من كل ما يرميه به المبطلون.

سابعًا: نسبة "الهجر" للأئمة والأنبياء في كتب الشيعة

من التناقض العجيب أن الرافضة يطعنون في عمر بكلمة لم يقلها، بينما تعج كتبهم بنسبة "الهجر" و"الهذيان" للنبي صلى الله عليه وسلم وللأئمة من قبل أصحابهم والمقربين منهم:

1.         في حق النبي صلى الله عليه وسلم: روى الصدوق أن النبي صلى الله عليه وآله في مرضه لم يعرف الحسن والحسين حين بكيا، فسأل: "من هذان يا علي؟" («الأمالي»، الصدوق، ص735). فهل هذا إلا وصف له صلى الله عليه وسلم بعدم الوعي (الهذيان) بزعمكم؟

2.         في حق علي بن الحسين: روى ابن طاووس أن الإمام حين طلب وضوءًا وقال: إن فيه فأرة، فقال الحاضرون عنده: «إنه ليهجر»، ثم تبين صدق قوله بعد إحضار المصباح («فرج المهموم»، ص228).

3.         في حق جعفر الصادق: روى الصفار أن الصادق قال عن نفسه حين نُسب له ادعاء النبوة: «كنت إذًا أهجر" («بصائر الدرجات»، ص278).

وقد حاول المجلسي في «بحار الأنوار" (52/320) تأويلها بأنها "استفهام توبيخي"، وهو نفس التأويل الذي يرفضونه حين يتعلق الأمر بعمر بن الخطاب!

ثامنًا: تطاول "زرارة" على الإمام الصادق

إذا كان رفع الصوت أو المراجعة تعتبر كفرًا، فماذا يقول الرافضة في "زرارة بن أعين" (أوثق رواتهم) حين اتهم الإمام الصادق بأنه يتكلم بما لا يعي؟ فقد روى الكشي أن زرارة قال عن قول للإمام الصادق: «والله لقد أعطاني الاستطاعة وما شعر" («اختيار معرفة الرجال»، 1/364).

ومع اعتراف عالمهم محسن الأمين بأن في هذا "سوء أدب"، إلا أنه قال: «أمكن حمله على بعض المحامل» («أعيان الشيعة»، 3/559).

الخلاصة:

1.         لفظ "يهجر" لم يثبت تاريخيًّا ولا روائيًّا عن عمر، وإنما الثابت عنه هو "غلبه الوجع" دافعه فيها الشفقة على مقام النبوة.

2.         كلمة "أهجر؟" وردت بصيغة الاستفهام الإنكاري على من تردد في إجابة طلب النبي صلى الله عليه وسلم، وليست خبرًا يقصد به الهذيان.

3.         التناقض الرافضي صارخ؛ فهم يؤولون "الهجر" المنسوب للأئمة في كتبهم ويجدون لرواتهم (كزرارة) آلاف الأعذار في سوء أدبهم، بينما يرفضون أي تأويل لموقف عمر رضي الله عنه الذي أيده فيه صمت علي بن أبي طالب وسائر كبار الصحابة.

4.         لو كان في قول عمر رضي الله عنه أدنى مطعن، لما بقي محل ثقة عند النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، ولما أثنى عليه علي بن أبي طالب وصاهره لاحقًا.


لتحميل الملف pdf

تعليقات