أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعم الشيعة أن عمر رضي الله عنه طعن في بيعة أبي بكر رضي الله عنه بقوله: «كانت فلتة»

يُحاول الشيعة استغلال لفظ "الفلتة" الوارد في كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتشكيك المسلمين في شرعية خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه؛ زاعمين أنَّ هذا الوصف يُسقط أفضليته، أو يكشف عن حقدٍ خفي من عمر تجاه صاحبه، بينما الحقيقة أنَّ السياق اللغوي والتاريخي للكلمة يُثبت نزاهة الصحابة وقوة إيمانهم.

فادعوا أنَّ وصف البيعة بـ "الفلتة" يعني أنها وقعت بلا تروٍ أو استحقاق. قال عالمهم علي آل محسن: «إنَّ وصف هذه البيعة بالفلتة مشعر بأنَّ أبا بكر لم يكن أفضل صحابة النبي..، وإلا لو كانت أفضليّته معلومة..، لما كان صحيحًا أن توصف بيعة أفضل الناس بعد النبي بأنها وقعت بلا تروٍّ وتدبير» [مسائل خلافية حار فيها أهل السنة، علي آل محسن، 53].

بل زعموا في "موسوعة من حياة المستبصرين" أنَّ سبب هذه المقولة هو حقد عمر وكراهته لأبي بكر [موسوعة من حياة المستبصرين، مركز الأبحاث العقائدية، 1/469].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: المعنى اللغوي لكلمة "فلتة"

هذه العبارة أخرجها البخاري في صحيحه عن ابن عباس في حديث طويل، قال فيه عمر رضي الله عنه: «إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها» [صحيح البخاري، 8/168].

•          الفجاءة لا النقيصة: معنى "الفلتة" أي الفجأة، فهي لم تكن عن تدبير مسبق أو احتيال.

 يقول ابن الأثير: «الفلتة: الفجأة، وذلك أنهم لم ينتظروا ببيعة أبي بكر رضي الله عنه عامة الصحابة، وإنما ابتدرها عمر ومن تابعه.. فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعًا من الأيدي واختلاسًا (من الفتنة)، ومثل هذه البيعة جديرة أن تكون مهيجة للفتن، فعصمهم الله من ذلك ووقى شرها» [جامع الأصول، ابن الأثير، 4/90].

•          السبق والبديهة: يقول الزمخشري: «فلتة أي: فجاءة؛ لأنَّه لم ينتظر بها العوام، وإنَّما ابتدرها أكابر الصَّحابة لعلمهم أنه ليس له منازع، ولا شريك في وجوب التَّقدم» [الفائق في غريب الحديث، الزمخشري، 3/139].

ثانيًا: سياق الكلام ومناسبة القول

إنَّ كلام الفاروق صدر في سياق الزجر والتحذير من الفوضى، لا في سياق الطعن في الصديق.

•          يوضح الآلوسي أنَّ عمر قال ذلك ردًا على رجل قال: "إن مات عمر أبايع فلانًا"، فبين عمر أنَّ بيعة أبي بكر -وإن كانت فجأة ومباغتة للظرف- إلا أنها صادفت أهلها وأفضل الناس، ولا يجوز لأحد بعد ذلك أن يطمع في تقليدها بغير مشورة؛ إذ قال في الرواية نفسها: «وأيكم مثل أبي بكر؟»؛ أي في الأفضلية التي تغني عن إطالة المشورة. [مختصر التحفة الإثني عشرية، الآلوسي، 243].

ثالثًا: لماذا كانت "فلتة"؟ (الأسباب الوجيهة)

هناك سببان رئيسان ذكرهما العلماء لوصفها بذلك:

1.         الاستحقاق المطلق للصديق: فلم يكن يحتاج إلى ترتيبات طويلة؛ لأنَّ الأمة كلها تعلم أنه الأحق. يقول ابن تيمية: «ومعنى ذلك أنّها وقعت فجأةً لم نكن قد استعددنا لها..؛ لأنَّ أبا بكرٍ كان متعيّنًا لذلك.. وليس بعد أبي بكرٍ من يجتمع النَّاس على تفضيله واستحقاقه كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكرٍ» [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 8/278].

2.         سد أبواب الفتنة: خشي الصحابة من خروج الأمر عن قريش فتتفرق العرب. يقول محب الدين الطبري: «وخشي أن يخرج الأمر عن قريش، فلا تدين العرب لمن يقوم به من غير قريش.. فكان من النظر السديد، والأمر الرشيد، مبادرته وعقد البيعة» [الرياض النضرة، محب الدين الطبري، 1/238].

رابعًا: نسف فرية "المؤامرة المسبقة"

هذا الحديث أقوى دليل على كذب دعوى الشيعة بأنَّ الصحابة "تآمروا" و"خططوا" للاستيلاء على السلطة؛ فلو كانت هناك مؤامرة لما قال عمر إنها كانت "فلتة" وفجأة.

وعندما أحسَّ مراجعهم بهذا التناقض، ادعى جعفر مرتضى العاملي أنَّ قول عمر كان "تمويهًا وتعمية" [الصحيح من سيرة الإمام علي، العاملي، 14/211]؛ وهذا من العجب؛ فإذا استدلوا بالكلمة صدقوها، وإذا ألزمتهم بكذب المؤامرة كذبوها!

خامسًا: موقف علي رضي الله عنه من هذه البيعة

لو كانت البيعة "فلتة" باطلة، فكيف بايع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأقرها؟! يقول مراجعهم محمد حسين كاشف الغطاء: «وحين رأى أنَّ المتخلّفين -أعني الخليفة الأول والثاني- بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد.. بايع وسالم» [أصل الشيعة وأصولها، كاشف الغطاء، 193]. فهل يُبايع الإمام المعصوم عندهم على "فلتة" باطلة؟!

الخلاصة:

•          نزاهة القصد: وصف "الفلتة" مدحٌ للصديق؛ لأنه الرجل الذي لم تختلف عليه الأمة رغم مباغتة الحدث، وهي شهادة بأنَّ الأمر لم يكن "خطة سرية".

•          وقاية الله: قول عمر "وقى الله شرها" يعني وقى الله الأمة شر الفتنة والاختلاف الذي كان سيحدث لو تأخرت البيعة، وليس معناه أنَّ البيعة نفسها شر.

•          إبطال الحقد: ادعاء الحقد من عمر على أبي بكر رضي الله عنهما هو خيالٌ مريض؛ فالتاريخ كله يشهد أنَّ عمر رضي الله عنه كان جنديًّا وفيًّا للصديق، وأبو بكر كان يثق بعمر رضي الله عنه ثقة مطلقة.

•          قاعدة المشورة: أراد عمر تأسيس قاعدة شرعية للأجيال القادمة بأنه لا يجوز تجاوز "أهل الحل والعقد"، وأنَّ حالة الصديق رضي الله عنه استثنائية لعظيم فضله الذي لا يشاركه فيه أحد.

•          التناقض الشيعي: مراجع الشيعة يقعون في حيرة؛ فإما أن يقبلوا كلام عمر رضي الله عنه بأنه لا توجد مؤامرة سابقة، وإما أن يرفضوا الرواية من أساسها؛ أما أخذ كلمة "فلتة" للطعن وترك سياقها لإثبات المؤامرة فهو انتقاءٌ غير علمي.

اقرأ أيضا|  زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يقتل القمل في الصلاة

•          كلمة جامعة: يقول الحافظ ابن حجر: «والمراد بالفلتة ما وقع من غير تريّثٍ ولا انتظارٍ لكمال التشاور، وإنما عُجل بها خشية وقوع الفتنة» [فتح الباري، ابن حجر، 12/145].

 


لتحميل الملف pdf

تعليقات