قال الدكتور رامي عيسى، الباحث في الشأن الشيعي، إن الإمام ابن حزم هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، الشهير بـ"ابن حزم الظاهري"، وقد وُلد في شهر رمضان سنة 384هـ بمدينة الزهراء، إحدى ضواحي قرطبة عاصمة الأندلس.
وأوضح أن ابن حزم نشأ في بيت عز وثراء ووزارة، حيث كان والده أحمد بن حزم أحد وزراء المنصور بن أبي عامر حاكم الأندلس، فنشأ في تنعّم ورفاهية، يلبس الحرير ويتصور الذهب، ويطالع الكتب على قناديل الذهب والفضة المضاءة بشموع العنبر والمسك، مشيرًا إلى أن والده كان يُعدّه ليسير على درب الوزارة والرياسة، وقد رُزق ابن حزم ذكاءً مفرطًا وذهنًا سيالًا.
وبيّن أنه عكف على دراسة الآداب والأشعار والأخبار وعلوم المنطق والفلسفة، وهو ما أثّر عليه في المستقبل، لافتًا إلى أن حادثة وقعت له في أواسط العشرينيات كشفت قلة علمه وفقهه، فقرّر سلوك طريق العلم الشرعي وترك طريق الوزارة والرياسة.
وأضاف أنه بدأ التفقه أولًا على مذهب الشافعي، رغم أنه لم يكن مذهبًا رائجًا في الأندلس حيث كانت السيادة للمالكية، ومع تبحّره في العلوم الشرعية ونهمه الشديد في الأخذ من الأصول المباشرة، وصل إلى مرحلة الاجتهاد، فأدّاه اجتهاده إلى نفي القياس كله، جليه وخفيه، والأخذ بظاهر النصوص والعموميات الكلية، والقول بالبراءة الأصلية واستصحاب الحال، مجددًا بذلك "القول بالظاهر"، وهو المذهب الذي وضعه الإمام داود بن علي بالعراق في القرن الثالث الهجري.
وأشار إلى أن ابن حزم كان ينهض بعلوم جمّة وفنون كثيرة مع إجادة تامة للنقل والعرض والتصنيف، إلى جانب كونه شاعرًا مطبوعًا وأديبًا بليغًا ومؤرخًا ناقدًا، وقد طارت شهرته في الأندلس حتى تعدّت البحر ووصلت إلى بلاد المغرب والمشرق، وصار رأسًا من رؤوس الإسلام عديم النظير.
ونقل ثناء عدد من العلماء عليه، حيث قال الإمام أبو القاسم صاعد بن محمد: "كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة، مع توسعه في علم اللسان ووفور حظه من البلاغة والشعر والمعرفة بالسير والأخبار"، كما قال الإمام الغزالي: "وجدت في أسماء الله تعالى كتابًا ألفه أبو محمد ابن حزم الأندلسي يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه"، فيما قال الحافظ الذهبي: "بلغ ابن حزم رتبة الاجتهاد، وشهد له بذلك عدة أئمة، وكان ينهض بعلوم جمّة ويجيد النقل ويحسن النظم والنثر، وفيه دين وخير ومقاصده جميلة ومصنفاته مفيدة، وقد زهد في الرياسة".
وفيما يتعلق بمحنته، أوضح أن معظم المؤرخين يرون أن السبب الرئيسي لما تعرض له من محن متتالية هو حدة لسانه وقلمه، وعدم تأدبه مع الأئمة في الخطاب، حيث كان إذا عارضه أحد في مسألة صار كالبحر المغرق والجحيم المحرق، ما أدى إلى نفور بعض النفوس واستحكام العداوة في القلوب، فتم تأليب الناس عليه، ومنع طلبة العلم من الجلوس إليه، وطُرد وشُرّد عن دياره، وأُحرقت كتبه في محضر عام بإشبيلية وقرطبة.
وأشار إلى أنه عاش منفيًا قرابة عشرين سنة حتى وفاته، مبينًا أن التحقيق التاريخي يكشف أن أسباب محنته أعمق من مجرد شدته النقدية، إذ كانت الأندلس متعصبة للمذهب المالكي، وكانت بقية المذاهب والكتب مهجورة أو مجهولة، لافتًا إلى أن الإمام بقي بن مخلد عانى من قبل من جمود علماء الأندلس وانغلاقهم، وأن المالكية استعدوا السلطان على ابن حزم، فآذوه وضيقوا عليه وفضّوا الناس من حوله، وأجبروه على الخروج من دياره، ليقضي العشرين سنة الأخيرة من حياته ضحية للعصبية المذهبية والجمود الفقهي.
اقرأ أيضا| نشأ يتيماً في غزة وساد أهل زمانه.. رامي عيسى يستعرض قصة كفاح وجود الإمام الشافعي (فيديو)
واختتم بالإشارة إلى أن الإمام ابن حزم تُوفي يوم الأحد في 28 من شعبان سنة 456هـ، رحمه الله وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين.
لتحميل الملف pdf