أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

افتراؤهم بأنَّ تبشير غير المعصوم بالجنة إغراءٌ بالقبيح

يُحاول الشيعة الطعن في حديث "العشرة المبشرين بالجنة" عبر بوابة العقل تارةً، وبوابة الرواية تارةً أخرى؛ زاعمين أنَّ إخبار الشخص بأنه من أهل الجنة وهو غير معصوم يُشجعه على ارتكاب المعاصي، كما طعنوا في ناقل الحديث "سعيد بن زيد" بوعاءٍ من التشكيك لا يثبت أمام الحقائق العلمية.

فزعم عالمهم المفيد أنَّ حديث "عشرة من أصحابي في الجنة" ساقطٌ من عدة وجوه؛ منها: أنَّ راويه هو سعيد بن زيد، وهو أحد العشرة، فلا تقبل تزكيته لنفسه. ومنها: أنَّ الخبر "رواية آحاد" لا يُقطع بها.

والوجه الأهم عنده هو "الدليل العقلي"؛ حيث زعم أنَّ القطع بالجنة لمن ليس بمعصوم يُعدُّ إغراءً له بالذنوب؛ لأنه سيأمن العقاب ويتكل على الثواب، وهذا لا يجوز على الله الحكيم. [الإفصاح، المفيد، 71-72]. وذكر مثله الطوسي في [الاقتصاد، 230-231].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: تهافت الطعن في "رواية الآحاد" وتفرد الصحابي

ادعاء المفيد بأنَّ تفرد الصحابي بالرواية يُسقط العمل بها هو قولٌ باطلٌ بإجماع أهل العلم؛ فجمهور المسلمين اتفقوا على أنَّ تفرد الصحابي لا يضر، لأنَّ الصحابة كلهم عدول.

كثيرٌ من أصول الدين ثبتت برواية الصحابي الواحد وتلقّتها الأمة بالقبول، كحديث «إنما الأعمال بالنيات" الذي تفرد به عمر بن الخطاب، وحديث «كلمتان خفيفتان على اللسان ..،" الذي تفرد به أبو هريرة. [صحيح البخاري، 1/6].

يقول ابن القيم: «ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قديمًا ولا حديثًا قال: إنَّ الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لم يقبل.. والعجب أنَّ الرادين لهذا الحديث قد بنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة انفرد بها رواتها». [إغاثة اللهفان، ابن القيم، 1/295-296].

ولو رددنا أحاديث الآحاد لرددنا "حديث الكساء" الذي لم يصح إلا من طريق أم المؤمنين عائشة. [الأحاديث الواردة في شأن الحسن والحسين، الخميس، 253-268].

إضافةً إلى ذلك؛ فإنَّ حديث العشرة لم ينفرد به سعيد بن زيد، بل روي عن عبد الرحمن بن عوف في [مسند أحمد، 3/209]، وعن علي بن أبي طالب في [مسند البزار، 2/181].

ثانيًا: قضية "تزكية النفس" والشهادة

زعم المفيد أنَّ سعيد بن زيد رضي الله عنه شهد لنفسه بالجنة وهذا لا يُقبل؛ والردُّ على ذلك من وجهين:

أنَّ هذا باب رواية لا شهادة: فالصحابي يروي كلام النبي صلى الله عليه وسلم بصدقٍ وأمانة، والعدل الصادق إذا روى ما يزكي به نفسه قُبلت روايته.

أنَّ المزكي هو الله ورسوله: فتزكية الصحابة ثابتة في القرآن قبل الحديث؛ كما في قوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم" [التوبة: 100]. فالبشارة سماوية قبل أن تكون نبوية.

ثالثًا: هل البشارة بالجنة إغراءٌ بالمعصية؟

زعمهم أنَّ البشارة تُغري بالقبيح هو جهلٌ بطبائع النفوس الزكية؛ فالتقيُّ إذا بُشّر بالجنة ازداد شكرًا وتواضعًا واجتهادًا، وهذا ما ظهر في حال العشرة؛ فلم يتّكلوا على البشارة، بل كانوا أزهد الناس وأكثرهم عبادةً وخوفًا من الله.

رابعًا: "باءُ الشيعةِ تجرُّ وباءَنا لا تجرُّ" (تبشير غير المعصوم في كتبهم)

من أعجب التناقضات أنَّ كتب الشيعة تعجُّ بروايات يُبشر فيها أئمتهم أتباعهم بالجنة وهم ليسوا بمعصومين؛ فهل هذا إغراءٌ بالقبيح عندهم؟!

تبشير زرارة: روى عالمهم الطوسي عن جعفر الصادق قال: «يا زرارة، إنَّ اسمك في أسامي أهل الجنة بغير ألف». [اختيار معرفة الرجال، الطوسي، 1/345].

تبشير الأربعة النجباء: ذكر عالمهم الخوئي صحيحة جميل عن الصادق في تبشير (بريد بن معاوية، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وزرارة) بالجنة ووصفهم بأمناء الله. [معجم رجال الحديث، الخوئي، 4/197].

تبشير "أم أيمن" رغم زعمِهم كذبها: روى هادي النجفي رواية معتبرة يشهد فيها إمامهم لـ "أم أيمن" بالجنة؛ رغم أنَّ محمد تقي المجلسي صحح رواية تزعم أنَّ النبي قال لها: «يا أم أيمن لِمَ تكذبين؟». [موسوعة أحاديث أهل البيت، 3/494]، [روضة المتقين، 5/368].

فإذا كان إمامهم يُبشر مَن رُميت بالكذب بالجنة، فلماذا يُنكرون بشارة مَن زكاهم رب العالمين؟!

الخلاصة:

نقض المنهج: إنَّ ردَّ حديث العشرة بدعوى "رواية الآحاد" هو هدمٌ لقواعد العلم، وتناقضٌ مع قبولهم لروايات أخرى انفرد بها آحاد الرواة في مدح أصحابهم.

تهافت الدليل العقلي: دعوى أنَّ البشارة تُغري بالمعصية باطلة؛ لأنَّ اليقين بالثواب عند المؤمن الصادق يولّد مزيدًا من الطاعة لا الانحلال، وتاريخ العشرة المبشرين هو أعظم شاهدٍ على ذلك.

الإلزام بالتناقض: مَن يطعن في حديث العشرة يلزمه الطعن في روايات تبشير (زرارة، وأبي بصير، وأم أيمن) الموجودة في كتب الشيعة، وإلا فإنه يكيل بمكيالين.

تزكيةٌ إلهية: الصحابة المبشرون بالجنة زكاهم القرآن الكريم جملةً وتفصيلًا بنصوص الرضا والإعداد للجنان، والحديثُ النبوي جاء مُفسِّرًا ومُعيِّنًا للأسماء.

اقرأ أيضا| افتراؤهم بـ"سقوط منزلة الشيخين" لإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن مشورتهما في بدر

قاعدة الإنصاف: يظهر من هذه الشبهة أنَّ القوم يفتقرون للإنصاف في الاحتجاج؛ وكما قال الإمام الكرجي القصاب: «مَن لم يُنصف خصومه في الاحتجاج عليهم، لم يُقبل بيانه، وأظلم برهانه». [نكت القرآن، 2/113].


لتحميل الملف pdf

تعليقات