من اتهامات الرَّافضة لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنه قائل بالتحريف والنقيصة في كتاب الله، واستندوا على رواية مكذوبة لا تصح، محاولين بذلك التغطية على ما استقر في كتبهم من عقيدة التحريف.
روى الطبراني عن محمّدِ بنِ عبيد بن آدم بن أبي إياسٍ العسقلانيِّ، حدّثني أبي، عن جدِّي آدمَ بنِ أبي إياسٍ، ثنا حفص بن ميسرة، عن زيد ابن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطَّاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القرآن ألف ألف حرفٍ، وسبعةٌ وعشرون ألْف حرفٍ، فمن قرأه صابرًا محتسبًا كان له بكلّ حرفٍ زوجةٌ من الحور العين».
يقول صادق العلائي: «عمر يعترف أن القرآن كان أضعاف هذا الموجود..، وما نسبه عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم واضح بسقوط أكثر من ثلثي القرآن الكريم؛ لأن عدد أحرف القرآن الموجود بين أيدي المسلمين اليوم هو ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون حرفًا، وستمائة وواحد وسبعون حرفًا، وسيتضح أن عمر حاول تأكيد فكرة وقوع التحريف في آيات القرآن بمقولات كثيرة". [إعلام الخلف بمن قال بتحريف القرآن، ص 331-332].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية إسنادًا (سقوط الحجة)
الحديث باطل لا يصح كما بين أهل العلم ذلك؛ لوجود «محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس» في السند، وهو ضعيف تكلم فيه النقاد ووصفوه بسياقة الأباطيل.
• قال الذهبي: «محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، تفرد بخبر باطل - ثم ساق الرواية». [ميزان الاعتدال، 3/639].
• قال السيوطي: «رجاله ثقاتٌ إلَّا شيخ الطّبرانيّ محمّد بن عبيد بن آدم ابن أبى إياسٍ، تكلّم فيه الذّهبيّ لهذا الحديث". [الإتقان، 1/242].
• قال الحافظ ابن حجر: «محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني تفرد بخبر باطل». [لسان الميزان، 5/276].
• قال الشيخ الألباني: «لوائح الوضع على حديثه ظاهرة، فمثله لا يحتاج إلى كلام ينقل في تجريحه بأكثر مما أشار إليه الحافظ الذهبي..، حديث موضوع". [سلسلة الأحاديث الضعيفة، 9/70].
ثانيًا: توجيه الرواية (على فرض الصحة)
لو تنزلنا مع الخصم وصححنا الرواية جدلًا، فإنَّ القواعد العلمية تقتضي حملها على وجهٍ لا يصادم "حفظ الله للذكر"، وهو ما غفل عنه الجاهلون:
1. باب النسخ: يُحمل هذا العدد على ما نُسخ رسمه وتلاوته من القرآن، والنسخ فعلٌ إلهي لحكمة يعلمها الله، وليس ضياعًا أو تحريفًا بشريًا. قال المتقي الهندي: «ويمكن حمله على ما نسخ منه تلاوة مع المثبت بين اللوحين اليوم». [كنز العمال، 1/541].
2. طريقة العد: العرب قديمًا لم تكن تعتمد في حساب الحروف معيارًا واحدًا؛ فمنهم من يعد الحروف المنطوقة، ومنهم من يعد الحروف المكتوبة مع مراعاة الحركات والمدود التي كانت تُعامل أحيانًا معاملة الحروف في تقدير الثواب، فذكر الرقم في سياق "الثواب" (بكل حرف زوجة) يدل على أن المقصد هو الحث على كثرة التلاوة والاستقصاء لا حصر العدد المادي للتحريف.
3. الفرق بين "الرواية" و"العقيدة": أهل السنة يروون كل شيء بالأسانيد لبيان حالها، لكن عقيدتهم هي ما أجمعوا عليه، وقد أجمعوا قاطبة من عهد عمر إلى اليوم أن القرآن ما بين الدفتين هو كلام الله كاملًا غير منقوص، بينما الخصم يتخذ من "رواية ساقطة" معتقدًا يرمي به الأبرياء.
ثالثًا: اعتراف علماء الرافضة بضعف الرواية عندنا
العجيب أنَّ بعض علماء الرافضة اعترفوا أن هذه الرواية غير معتمدة عند أهل السُّنَّة ولا يصح إلزامنا بها.
قال عليّ الشهرستاني: «فوجود رواياتٍ تشكّك في هذا القرآن زيادةً أو نقيصةً لا يؤخذ بها، وهي أخبار لا يعتمد عليها، وقد رويت من قبل الحشويّة من أهل الحديث، وهي منكرة ومتروكة عند الفريقين، ولا يؤخذ بها». [جمع القرآن نقد الوثائق، ص 137].
فالشهرستاني أقرَّ بأن الرواية "منكرة ومتروكة" عندنا، وهذا يسقط احتجاج صادق العلائي وغيره من المرجفين.
أما قوله بأنها متروكة عند "الفريقين"، فهذا "كذبٌ صراح" سنكشفه في النقطة التالية.
رابعًا: "الإفحام" بتواتر القول بالتحريف في كتب الرافضة
بينما يتمسك الرَّافضة بحديث موضوع في كتبنا، نجد كبار علمائهم يقررون أنَّ الأخبار الدالة على التحريف والنقيصة في القرآن عندهم بلغت حد "التواتر"، وهو ما يفيد العلم القطعي الذي لا يمكن رده:
1. نعمة الله الجزائري: يقول بصراحة: «إن تسليم تواتره عن الوحي الإلهي..، يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادة وإعرابًا، مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها». [الأنوار النعمانية، 2/357].
فالجزائري يعترف بـ"تواتر" التحريف في (المادة والإعراب والكلمات) وبإجماع (الأصحاب)، فأين هذا من رواية واحدة باطلة ينسبونها لعمر؟!
2. المجلسي (عمدة معتقدهم): يقول في "مرآة العقول": «ولا يخفى أن هذا الخبر وكثيرًا من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة». [مرآة العقول، 12/525].
إنه يضع القول بتحريف القرآن في مرتبة "أخبار الإمامة" من حيث القوة والتواتر! فكيف يجرؤون بعد ذلك على اتهام عمر بن الخطاب؟
3. محمد الجنابذي: يقول: «اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد يقع شك». [تفسير بيان السعادة، 1/19].
خامسًا: القنبلة الموقوتة (ضياع ثلثي القرآن في كتاب الكافي)
إذا كان عدد حروف القرآن عند عمر (في الرواية الباطلة) يثير استغرابهم، فماذا يقولون في ضياع آلاف الآيات في أوثق كتبهم؟
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية». [الكافي، 2/634]، وقد صححه المجلسي في مرآة العقول (٢/٥٢٥) وقال: «موثق».
فالفاضحة الكاشفة: أن القرآن الذي بين أيدينا اليوم (6236) آية تقريبًا، فإذا كان القرآن الأصلي (17000) آية كما في الكافي، فهذا يعني أنَّ ثلثي القرآن قد سقط!
• تأكيد المازندراني: يفسر هذه الرواية بقوله: «أقول: كان الزائد على ذلك مما في هذا الحديث سقط بالتحريف، وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى". [شرح الكافي، 11/76].
الخلاصة:
• رواية عمر بن الخطاب في عدد حروف القرآن باطلة موضوعة "إسنادًا"، ومحمولة على "النسخ" في حال التنزل بصحتها، فلا وجه للاحتجاج بها.
• أهل السنة يجمعون على أنَّ القرآن الموجود اليوم هو القرآن الذي نزل على النبي ﷺ كاملًا غير منقوص، ولا عبرة بالروايات الشاذة أو المنكرة.
• دين التشيع هو الذي يعتقد "تواتر" النقص والتحريف في مادة القرآن وإعرابه، بشهادة المجلسي والجزائري والمازندراني.
• مقارنة حديث عمر المكذوب برواية الكافي (17 ألف آية) توضح أنَّ الرافضة هم من فقدوا ثلثي قرآنهم، ويحاولون بكل وقاحة "الإسقاط" على الفاروق رضي الله عنه.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه جزع عند موته
• صدق المثل: «رمتني بدائها وانسلت».
لتحميل الملف pdf