أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

افتراؤهم بـ"سقوط منزلة الشيخين" لإعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن مشورتهما في بدر

يحاول الشيعة في هذه الشبهة تصوير مشهد استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قبيل غزوة بدر بصورة "الإهانة" أو "الإقصاء" لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ وذلك عبر بتر السياق التاريخي للحادثة، وتجاهل المقاصد النبوية من المشورة، للوصول إلى نتيجة باطلة تزعم سقوط مكانتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فادعى الحلي في كتابه "نهج الحق" أنَّ إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر وعمر في مشورة بدر دليلٌ على عدم الاعتداد برأيهما؛ حيث قال: «وفي (الجمع بين الصحيحين) في مسند أنس بن مالك، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه. وهذا يدل على سقوط منزلتهما عنده". [نهج الحق وكشف الصدق، الحلي، ص 339].

الرد التفصيلي على الشبهة:

إنَّ المتأمل في نصوص السيرة والحديث يجد أنَّ هذه الدعوى قائمة على الجهل بظروف الغزوة وطبيعة البيعة التي تمت بين النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار، وإليك البيان:

أولًا: مكانة الشيخين كـ "وزراء" للمشورة

لقد ثبت بالتواتر أنَّ أبا بكر وعمر كانا لا يفارقان النبي صلى الله عليه وسلم في سلم ولا حرب، وهما محلُّ سره وأمانته.

•          روى الترمذي والحاكم وصححه الألباني أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال: «هذان السّمع والبصر». [سنن الترمذي، رقم 3671].

•          ويقول ابن حزم: «وكان أبو بكر رضي الله عنه معه لا يفارقه.. واستظهارًا برأيه في الحرب وأنسًا بمكانه، ثمَّ كان عمر ربما شورك في ذلك أيضًا». [الفصل في الملل والنحل، 4/107].

•          بل إنَّ الرواية الصحيحة في مسند أحمد تُثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بهما الاستشارة أولًا، فأشارا بالإقدام والجهاد. [مسند أحمد، 20/281].

ثانيًا: سبب "الإعراض" هو البحث عن رأي الأنصار

لم يكن إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن الشيخين استهانةً برأيهما، بل لأنَّ "الرأي المبحوث عنه" لم يكن عند المهاجرين، بل عند الأنصار؛ والسببُ هو "بيعة العقبة".

•          الأنصار بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على حمايته "في المدينة"، ولم تكن البيعة تُلزمهم بالقتال "خارجها".

•          خشي النبي صلى الله عليه وسلم ألا يرى الأنصار عليهم نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة، فأراد أن يستوثق من قرارهم بالخروج معه لملاقاة قريش.

•          لذا، لما تكلم أبو بكر وعمر والمقداد رضي الله عنهم (وكلهم مهاجرون)، كرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «أشيروا عليَّ أيها الناس»، ففهم سعد بن معاذ رضي الله عنه (سيد الأنصار) المراد وقال: «لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل». [تفسير الطبري، 11/41-43].

ثالثًا: توجيه العلماء (اختبار الأنصار)

أوضح الإمام النووي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أراد اختبار استجابة الأنصار للقتال خارج ديارهم؛ لأنَّ بيعتهم الأصلية كانت "دفاعية" داخل المدينة، أما المهاجرون (كأبي بكر وعمر) فنصرتهم وإقدامهم مضمونان ومقطوعٌ بهما، فلم تكن الاستشارة تهدف لاختبارهم. [شرح صحيح مسلم، النووي، 12/124].

رابعًا: "الإعراض" لا يقتضي سقوط المنزلة (من كتب الشيعة)

إذا كان الطاعنون يزعمون أنَّ "الإعراض" دليلُ سقوط المكانة، فماذا يقولون في هذه الروايات من كتبهم؟

1.         الإعراض عن فاطمة: روى ابن شهر آشوب أنَّ النبي دخل على ابنته فاطمة وفي عنقها قلادة «فأعرض عنها»، حتى قطعتها. [المناقب، 3/343]. فهل سقطت منزلة سيدة نساء العالمين بإعراض النبي عنها؟

2.         الإعراض عن سلمان الفارسي: نقل عالمهم التستري أنَّ سلمان سأل النبي عن مَن يُسندون إليه أمورهم بعده «فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه". [إحقاق الحق، 31/319]. فهل سلمان "منافق" أو "ساقط المنزلة" عندكم بسبب هذا الإعراض؟!

الخلاصة:

•          أصل المشورة: النبي بدأ بالشيخين (أبو بكر وعمر) وأشارا بـ "الإحسان" والولاء المطلق، ومكانهما كـ "سمع وبصر" للنبي صلى الله عليه وسلم ثابتٌ بالصحاح.

•          المقصد النبوي: "الإعراض" كان وسيلة نبوية لحث الأنصار على الكلام؛ لأنَّ مقتضى بيعتهم كان الدفاع داخل المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم أراد التأكد من موافقتهم على القتال خارجها.

•          منزلة المهاجرين: لم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم لاستشارة المهاجرين في "مبدأ القتال"؛ لأنَّ خروجهم وتضحيتهم بوطنهم كانت أكبر دليل على بيعتهم المطلقة.

•          نقض القاعدة: الروايات الشيعية التي تذكر إعراض النبي عن (فاطمة وسلمان) تَهدم استدلالهم؛ فإما أن يُقروا بسقوط منزلة هؤلاء أيضًا، وإما أن يقروا بأنَّ الإعراض له أسباب تربوية أو ظرفية لا علاقة لها بالقدر والمنزلة.

اقرأ أيضا| افتراؤهم على الفاروق رضي الله عنه بدعوى إدخال اليهود إلى فلسطين ومخالفة شروط النصارى

•          بطلان الاستنتاج: منزلة الشيخين رضي الله عنهما عند النبي صلى الله عليه وسلم كانت أرفع من أن تتأثر بطلب رأي طائفة أخرى في موقفٍ عسكريٍّ محدد؛ بل كان أبو بكر هو رفيقه الوحيد في العريش يوم بدر.


لتحميل الملف pdf

تعليقات