أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

طعنهم في الفاروق رضي الله عنه لقوله يوم الحديبية: لِمَ نُعطي الدنيَّة في ديننا؟

يُحاول علماء الشيعة تصوير مراجعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية على أنها "تمرد" أو "عصيان"؛ متجاهلين أنَّ الدافع كان الغيرة المحضة على عزة الإسلام، ومغفلين وقوع ما هو أشد منه من قِبل كبار أصحاب أئمتهم.

لقد اعتبروا قوله رضي الله عنه يوم الحديبية: «لِمَ نعطي الدنية في ديننا؟" طعنًا في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وعصيانًا لأمره، فزعم عالمهم جعفر السبحاني قائلًا: «فمن يصف عمل الرسول بإعطاء الدنيّة في الدين، كيف يعدّ من المسلّمين لأمره ونهيه؟!" [رسائل ومقالات 4/650].

 وادعى محمد السند قائلًا: «ولم يكتف عمر بذلك، بل عبّأ عصيانًا عامًّا لدى المسلمين على النبيّ صلى الله عليه وسلم، تحت شعار: «لا نقبل الدنية في ديننا»، وإنَّ هذا الشعار هو من المحكمات التي يحكمها على نبيّ الله تعالى» [الصحابة بين العدالة والعصمة ص488].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: حقيقة قول عمر رضي الله عنه (استكشاف لا معارضة)

لم يكن قول عمر رضي الله عنه نابعًا من شك أو اعتراض على حكم الله، بل كان استكشافًا للحكمة من صلحٍ بدت شروطه في الظاهر مجحفة؛ وقد كان سؤاله طلبًا للوضوح لا ردًا للأمر.

يقول الإمام القرطبي: «وقول عمر: «لم نعطي الدنية في ديننا؟" يعني بالدنية: الحالة الخسيسة، ويعني به: الصلح على ما شرطوا، ولم يكن ذلك من عمر شكًّا، ولا معارضةً، بل كان استكشافًا لما خفي عنه، وحثًّا على قتال أهل الكفر وإذلالهم، وحرصًا على ظهور المسلمين على عدوهم، وهذا على مقتضى ما كان عنده من القوة في دين الله والجرأة والشجاعة التي خصّه الله بها، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر بما جاوباه به، يدل على أن عندهما من علم باطنة ذلك، وعاقبة أمره ما ليس عند عمر؛ ولذلك لم يسكن عمر حتى بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح، فسكن جأشه، وطابت نفسه» [3/640].

ثانيًا: غيرة عمر على عزة الإسلام

كان انزعاج عمر بسبب بنود الصلح؛ ومنها أنَّ من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده إليهم، ومن أتى قريشًا من المسلمين لم يردوه، وهذا ما استدعى مراجعته غيرةً على المؤمنين.

يقول ابن الجوزي: «فأما الصلح فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قصد العمرة، ورده المشركون، واصطلح هو وهم في غزاة الحديبية على أن يرجع عنهم تلك السَّنَة، ويعود في العام القابل، وكتبوا بينهم كتابًا، وكان فيه: إن من أتى محمدًا منهم بغير إذن وليه رده إليه، ومن أتى قريشًا من أصحاب محمد لم يردوه، وهذا الذي أزعج عمر؛ لأنه رأى أن في هذا نوع ذل، ولهذا قال: ففيم نعطي الدنية؟ يعني النقيصة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بالمصلحة» [2/112].

ثالثًا: الكيل بمكيالين (اعتراض أصحاب الحسن على صلحه)

من العجيب أن نجد عبارة "إعطاء الدنية" قيلت للإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما من قِبل كبار شيعته المخلصين، ومع ذلك اعتذر لهم علماء الشيعة ولم يصفوهم بالنفاق أو التمرد!

•          موقف عدي بن حاتم: قال للحسن بعد الصلح بمرارة: «يا بن رسول الله، لوددت أني مت قبل تسليمك الأمر لمعاوية، لقد أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحق الذي كنا فيه ودخلنا الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا».

 وبرر له عالمهم هاشم معروف الحسني ذلك بقوله: «إلى غير ذلك مما رواه المؤرخون من الكلمات القاسية التي كان يسمعها من شيعته وأنصاره، والتي لم تكن لتصدر منهم، لولا الجور والاضطهاد والتعذيب الذي لحقهم من معاوية وعمّاله، لا لشيء إلا لأنهم يوالون عليًّا وآله، وكان عليه السلام يتحمل منهم كل ذلك، ويعرف الدوافع التي اضطرتهم إلى مقابلته بهذا الأسلوب» [1/537].

•          موقف حجر بن عدي: وهو من أخص أصحاب علي والحسن، قال للحسن: «يا بن رسول الله، لوددت أني مت قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ودخلنا في الباطل الذي نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا الخسيسة التي لم تلق بنا».

 ولم يطعن فيه أحد من علمائهم، بل قال باقر شريف القرشي: «وعدي بن حاتم هو الفذ المثالي الذي ضرب الرقم القياسي للعقيدة والإيمان والفداء في سبيل الله، وقد اندفع هذا الصحابي العظيم بثورة نفسية عارمة إلى إنكار الصلح، وكانت لهجة حديثه لهجة مؤدب كامل» [2/266].

التناقض: إذا كان عدي وحجر معذورين في قولهما "أعطينا الدنية" للإمام الحسن؛ لأنَّ الصلح بدا لهما ذلًا، فلماذا يُحكم على عمر بن الخطاب بالكفر أو النفاق وهو الذي قالها غيرةً على دين الله؟!

رابعًا: بطلان دعوى "قيادة تمرد"

ادعاء جعفر مرتضى العاملي بأنَّ عمر حاول قيادة "حركة تمرد" هو كذب صراح؛ فعمر بمجرد أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل والحلق فعل واقتدى به المسلمون.

يقول عالمهم جعفر مرتضى العاملي: «ثم جاءت المفاجأة الأكبر والأخطر، التي حاول البعض-وهو عمر بن الخطَّاب بالذات- أن يثير من أجلها عاصفة من التحدي لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى حد التفكير بقيادة حركة تمرد ضد صلى الله عليه وسلم، كما صرح به عمر نفسه، وذلك لأنه اعتبر أنه صلى الله عليه وسلم قد أعطى الدنية في دينه، ورضي بها» [الصحيح من سيرة النبي الأعظم 16/126].

وهذا الادعاء باطل؛ إذ لو كان مريدًا للتمرد لما كان من أوائل الممتثلين رغم مرارة الموقف في نفسه.

الخلاصة:

•          سؤال استرشاد: مراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم كانت طلبًا للفهم والاسترشاد لا ردًّا للأمر، وبحثًا عن العزة التي عوّدهم النبي عليها؛ حيث سكن جأشه فور سماع التوضيح النبوي.

•          ازدواجية المعايير: اعتذار علماء الشيعة لعدي بن حاتم وحجر بن عدي في استخدامهما لنفس العبارة مع الإمام الحسن، يُسقط طعنهم في الفاروق؛ فإما أن يكون الجميع معذورين، وإما أن يُكفّروا أصحاب أئمتهم.

•          الغَيرة المحمودة: قوة الفاروق في الدين هي التي دفعته لقول ذلك، وقد أثبتت الأيام صدق موالاته حين ندم على مراجعته تلك وظل يكفر عنها بالصيام والصدقة.

•          خداع الاصطلاح: محاولة تسمية المراجعة "تمردًا" أو "عصيانيًا" هي محاولة بائسة؛ بينما العهد النبوي كله قائم على المشورة وإبداء الرأي قبل نزول الوحي القاطع.

اقرأ أيضا| افتراؤهم على لفظة (زراط) وتدليسهم في مخارجها ومعانيها

•          وحدة الموقف: الصحابة رضي الله عنهم جميعًا وجدوا غصة في شروط الصلح في البداية، لكنهم جميعًا سلموا وانقادوا؛ مما يؤكد أنَّ الإشكال كان في فَهْم المصلحة لا في أصل الاتباع.


لتحميل الملف pdf

تعليقات