أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم قول الفاروق رضي الله عنه عن القرآن: «ذهب منه كثير»

يحاول الشيعة التمسك ببعض الروايات الضعيفة المنسوبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه؛ ليوهموا الناس أنَّه كان يعتقد بنقص القرآن وضياع الكثير منه، والحقيقة أنَّ هذه الدعوى باطلة سندًا ومتنًا، وتصطدم مع عقيدة المسلمين القطعية في حفظ كتاب الله.

فيعتمد علماؤهم على هذه الرواية المنسوبة لعمر رضي الله عنه لمحاولة إثبات أنَّ القول بالتحريف أصله من الصحابة؛ ومن ذلك ما ذكره عالمهم العاملي في كتابه «الصراط المستقيم» (3/28)؛ محاولًا الاستدلال بها على وقوع النقص في القرآن، وكذا ما أورده عالمهم المجلسي في «بحار الأنوار» (31/144)؛ في سياق سرد ما يسميه "مطاعن" عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

روى عبد الرزاق في «مصنفه» من طريق معمرٍ، عن ابن جدعان، عن يوسف بن مهران، أنَّه سمع ابن عبّاسٍ يقول: أمر عمر بن الخطَّاب مناديًا فنادى أنَّ الصَّلاة جامعةٌ، ثمَّ صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: «يا أيّها النَّاس، لا تخدعنّ عن آية الرّجم، فإنَّها قد نزلت في كتاب الله عز وجل وقرأناها، ولكنّها ذهبت في قرآنٍ كثيرٍ ذهب مع محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، وآية ذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم قد رجم، وأنّ أبا بكرٍ قد رجم، ورجمت بعدهما، وإنّه سيجيئ قومٌ من هذه الأمَّة يكذّبون بالرّجم، ويكذّبون بطلوع الشّمس من مغربها، ويكذّبون بالشّفاعة، ويكذّبون بالحوض، ويكذّبون بالدّجّال، ويكذّبون بعذاب القبر، ويكذّبون بقومٍ يخرجون من النَّار بعدما أدخلوها». [مصنف عبد الرزاق، 7/330].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: بطلان الرواية من الناحية الإسنادية

إنَّ هذه الرواية ضعيفة، ولا تقوم بها حجة في أصول الدين أو فروعها؛ والسبب في ذلك هو وجود راوٍ في السند يُدعى (علي بن زيد بن جدعان)، وهو ممن أجمع المحدثون على ضعف حفظه.

•        أقوال أئمة الحديث فيه: جمع الحافظ الذهبي أقوال النقاد فيه فقال: «قال أبو زرعة، وأبو حاتمٍ: ليس بقويٍّ، وقال البخاريّ وغيره: لا يحتجّ به. وقال ابن خزيمة: لا أحتجُّ به؛ لسوء حفظه. وقال التّرمذيّ: صدوقٌ، وكان ابن عيينة يليّنه.

وقال شعبة: حدَّثنا عليّ بن زيدٍ -وكان رفّاعًا- وقال مرّةً: حدَّثنا قبل أن يختلط. وقال حمّاد بن زيدٍ: أنبأنا عليّ بن زيدٍ وكان يقلب الأحاديث. وقال الفلاّس: كان يحيى بن سعيدٍ يتّقيه. وقال أحمد بن حنبلٍ: ضعيفٌ. وروى عبّاسٌ، عن يحيى: ليس بشيءٍ. ومرّةً قال: هو أحبّ إليّ من ابن عقيلٍ، وعاصم بن عبيد الله.

وروى عثمان الدّارميّ، عن يحيى: ليس بذاك القويّ. وقال العجليّ: كان يتشيّع، ليس بالقويّ. وقال الفسويّ: اختلط في كبره. وقال الدّارقطنيّ: لا يزال عندي فيه لينٌ. قلت: قد استوفيت أخباره في (الميزان) وغيره، وله عجائب ومناكير». [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/207].

•        حكم المحدثين المعاصرين: قال الشيخ الألباني عن الحديث: «إسناده ضعيف؛ من أجل عليّ بن زيد، وهو ابن جدعان، سيء الحفظ». [ظلال الجنة في تخريج أحاديث السُّنَّة، الألباني، ص 151].

ثانيًا: التوجيه العلمي للرواية (على فرض الصحة)

لو فرضنا صحة هذه الرواية، فإنها مما يندرج في باب نسخ التلاوة، بقرينة ورود العبارة بعد الكلام عن آية الرجم، ومن المعلوم أنها من منسوخ التلاوة؛ إذ إنَّ هناك آيات نزل بها الوحي ثم رُفعت تلاوتها بأمر الله مع بقاء حكمها، ولا شك أن ثمَّ كثيرًا من الآيات التي نسخت تلاوتها.

•        اعتراف علماء الشيعة بنسخ التلاوة: يقول عالمهم الطوسي: «وقد أنكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وجاءت أخبار متظافرة بأنه كانت أشياء في القرآن نسخت تلاوتها». [تفسير التبيان، الطوسي، 1/394].

ثالثًا: يقين الصحابة بأنَّ النبي ﷺ لم يترك إلا ما في المصحف

لقد ثبت في أصح الكتب أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئًا من القرآن بعد وفاته إلا ما بين الدفتين؛ ففي "صحيح البخاري" سُئل ابن عباس رضي الله عنهما: «أترك النَّبي صلى الله عليه وسلم من شيءٍ؟ قال: ما ترك إلَّا ما بين الدّفّتين. قال: ودخلنا على محمّد ابن الحنفيّة فسألناه، فقال: ما ترك إلَّا ما بين الدّفّتين». [صحيح البخاري، 4/1917، برقم 4731].

•        قال الحافظ ابن حجر معلقًا: «وهذه التّرجمة للرّدّ على من زعم أنَّ كثيرًا من القرآن ذهب لذهاب حملته». [فتح الباري، ابن حجر، 11/251].

رابعًا: "الإفحام" بضياع ثلثي القرآن في كتب التشيع

إنَّ ضياع "قرآن كثير" هي في الحقيقة تهمةٌ تطفح بها أهم كتب التشيع وبأسانيد يصححونها هم، وهذا هو الموطن الذي تظهر فيه عقيدتهم الحقيقية:

1.       رواية الـ 17 ألف آية: روى عالمهم الكليني بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية». [الكافي، الكليني، 2/634].

2.       اعتراف المجلسي بالتواتر: يقول عالمهم المجلسي معلقًا على رواية الـ 17 ألف آية: «موثق. وفي بعض النسخ عن هشام بن سالم موضع هارون بن مسلم، فالخبر صحيح، ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريح في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر؟». [مرآة العقول، المجلسي، 12/525].

3.       تصريح المازندراني بالسقوط والتحريف: يقول عالمهم المازندراني: «كان الزائد على ذلك مما في هذا الحديث سقط بالتحريف، وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها». [شرح الكافي، المازندراني، 11/76].

4.       تصريح الجزائري بسقوط الثلث: يقول عالمهم نعمة الله الجزائري: «وليس هو أول قارورة كسرت في الإسلام، كيف لا؟ وقد سئل عليه السلام عن الربط بين الجزاء والشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) [النساء: 3]؛ إذ الربط منتف ظاهرًا، فقال عليه السلام: قد سقط بينهما أكثر من ثلث القرآن، وأخبارنا متواترة بوقوع التحريف والسقط منه بحيث لا يسعنا إنكاره». [نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية، الجزائري، ص 63].

خامسًا: استحالة سكوت علي بن أبي طالب رضي الله عنه على النقص

إنه لو ذهب شيء من القرآن الكريم لما سكت الصحابة أبدًا؛ فكيف سكت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الذي اعترض على فدك؟

•        استدلال عالمهم جعفر السبحاني: «وهناك نكتة أخرى جديرة بالإشارة، وهي أنَّ تطرّق التحريف إلى المصحف الشريف يعدّ من أفظع الجرائم التي لا يصحّ السكوت عنها، فكيف سكت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وخاصّته، نظير: سلمان، والمقداد، وأبي ذر وغيرهم، مع أنّا نرى أنَّ الإمام وريحانة الرسول صلى الله عليه وسلم قد اعترضا على غصب فدك، مع أنَّه لا يبلغ عشر ما للقرآن من العظمة والأهمية؟! فلو كان هناك تحريف كان ردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالّها أوجب وألزم.

نرى أنَّ عليًّا عليه السلام بعدما تقلّد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة، كما اعترض على قراءة البسملة سرًّا في الصلوات الجهرية إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الإمام، وشدّد النكير عليها بحماس، فلو صدر أيّام الخلفاء شيء من هذا القبيل حول القرآن، لقام الإمام بمواجهته، وردّ ما حذف بلا واهمة». [المناهج التفسيريّة في علوم القرآن، السبحاني، ص 199].

الخلاصة:

•        الرواية المنسوبة لعمر رضي الله عنه في "مصنف عبد الرزاق" ضعيفة بسبب (ابن جدعان)، وهو راوٍ سيء الحفظ لا يُحتج به.

•        إن صَحَّ اللفظ، فالمراد به "نسخ التلاوة" الذي يقر به علماء الفريقين (كشيخ الطائفة الطوسي)، وليس الضياع والتحريف.

•        علي بن أبي طالب رضي الله عنه والصحابة المنتجبون لدى الشيعة أقرّوا المصحف الذي بين أيدينا، ولو كان فيه نقص لما سكتوا عنه وهم الذين لا يداهنون في دين الله.

•        الحقيقة الصادمة أنَّ القول بضياع ثلثي القرآن هو عقيدة "متواترة" في كتب كبار علمائهم كالمجلسي والجزائري والمازندراني؛ فهم يرمون الفاروق بدائهم الذي يغرقون فيه.

اقرأ أيضا| زعمهم أن طلب الفاروق رضي الله عنه شاهدين عند جمع القرآن جهلٌ بالقرآن

•        نؤمن يقينًا أنَّ كتاب الله محفوظ كما قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). [الحجر: 9].


لتحميل الملف pdf

تعليقات