أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

جعل الشيعة المسألة المشتركة من المطاعن على الفاروق رضي الله عنه

أورد كاتبهم محمد طاهر القمي الشيرازي هذه المسألة في سياق الطعن على عمر؛ حيث قال: «ومنها: ما نقله "صاحب القاموس" من علماء السنة، وهذه عبارته: المشركة كمعظمة، ويقال: المشتركة؛ زوج، وأم، وأخوان لأم، وأخوان لأب وأم، حكم فيها عمر، فجعل الثلث للأخوين لأم، ولم يجعل للأخوين للأب والأم شيئًا، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حمارًا فأشركنا بقرابة أمنا، فأشرك بينهم، فسميت مشركة ومشتركة وحمارية» [الأربعين، محمد طاهر الشيرازي، ص 563].

وعلق الأميني على هذا الحكم تشغيبًا وتهويلًا بقوله: «كأن أحكام القضايا تدور مدار ما صدر عن رأي الخليفة، سواء أصاب الشريعة أم أخطأ، وكأن الخليفة له أن يحكم بما شاء وأراد، وليس هناك حكم يتبع وقانون مطرد في الإسلام، ولعل هذا أفظع من التصويب المدحوض بالبرهنة القاطعة» [نوادر الأثر في علم عمر، عبد الحسين الأميني، ص 28].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: عجز الطاعنين عن بيان وجه المخالفة الشرعية

إن المتأمل في طرح الشيعة لهذه المسألة يجد أنهم يسردون القصة التراثية التاريخية لمجرد التشنيع اللفظي، دون أن يبينوا مكمن المخالفة الفقهية؛ فالعجز عن صياغة حجة علمية تبين وجه بطلان التشريك، والجهل بالقواعد التي تفرعت عنها هذه المسألة، يكفي وحده لإسقاط هذا الاعتراض، ويثبت أن الطعن قائم على الغرض الطائفي لا على الميزان العلمي.

ثانيًا: حقيقة المسألة المشتركة وأدلتها القائمة على الاستحسان

صورة المسألة المشتركة هي: أن تموت امرأة، وتترك: زوجًا، وأمًا (أو جدة)، وعددًا من الإخوة لأم، وأخًا شقيقًا (أو أكثر، بشرط أن يكون فيهم ذكر).

•          حكم الصحابة فيها: روى البيهقي بإسناده: «عن إبراهيم، عن عمر، وعبد الله، وزيد رضي الله عنهم أنهم قالوا: للزوج النصف، وللأم السدس، وأشركوا بين الإخوة من الأب والأم والإخوة من الأم في الثلث، وقالوا: ما زادهم الأب إلا قربًا» [السنن الكبرى، أحمد بن الحسين البيهقي، 12/578].

•          سبب الخلاف الفقهي: إن المسألة لم يرد فيها نص قطعي خاص في الكتاب أو السنة، وإنما هي فرع من فروع فقه الكلالة في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12]؛ والمقصود بالأخ والأخت هنا الإخوة لأم بإجماع المفسرين والفرضيين.

وقد انقسم الصحابة والفقهاء في حلها إلى اتجاهين مقبلين للأدلة:

1.         الاتجاه الأول (عدم التشريك): تمسك بأصل القواعد في الفرائض؛ ومفادها أن يأخذ أصحاب الفروض فروضهم، ويأخذ العاصب ما بقي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر» [صحيح البخاري، رقم 6351]. وبما أن الزوج أخذ النصف (3/6)، والأم أخذت السدس (1/6)، والإخوة لأم أخذوا الثلث فرضًا(2/6)، فقد استغرقت الفروض التركة كاملة (3 + 1 + 2 = 6)، ولم يتبق للأشقاء (وهم عصبة) شيء؛ وهذا قول علي بن أبي طالب، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل في المشهور عنه [منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 6/98].

2.         الاتجاه الثاني (التشريك بين الإخوة): وهو قول عمر رضي الله عنه الأخير، وزيد بن ثابت، وبه أخذ مالك والشافعي؛ حيث شركوا بين الأشقاء والإخوة لأم في الثلث بالتساوي، بناء على "الاستحسان الممدوح"؛ والذي عرّفه الأصوليون بأنه: قياس خفيت علته بالنسبة لقياس ظاهر متبادر [أصول الفقه، محمد الخضري، ص 367].

ونقل الشوكاني عن القفال الشافعي قوله: «إن كان المراد بالاستحسان ما دلت عليه الأصول بمعانيها، فهو حسن؛ لقيام الحجة به..،» [إرشاد الفحول، محمد بن علي الشوكاني، 2/183].

وقد استند استحسان عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما في التشريك إلى ثلاثة وجوه عقلية بالغة العدالة:

•          الوجه الأول (بقاء جهة الأمومة عند سقوط الأبوة): يُقاس الشقيق هنا على الأخ لأم إذا كان ابن عم في ذات الوقت؛ فلو ماتت امرأة عن: أخ لأم هو ابن عم، وعن عم؛ فإن صفة ابن العم تسقط بالعم الأقرب، لكنه لا يُحرم من الميراث بل يرث بصفته أخًا لأم؛ تفعيلًا لقاعدة: "إذا بطلت إحدى الجهتين بقيت الأخرى".

وبناء عليه؛ فإن الأخ الشقيق إذا سقط حقه في التعصيب من جهة الأب لضيق التركة، فإنه لا ينبغي أن يسقط حقه من جهة الأم التي يشارك فيها الإخوة لأم؛ لأنها جهة قائمة لم تبطل.

•          الوجه الثاني (قوة القرابة لا تنفي الإرث): إن هذه الفريضة لو خلت من الزوج لورث الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم قطعًا، فليس من العدل الفقهي أن يكون وجود الزوج سببًا في حرمان الأشقاء وإرث الأضعف (الإخوة لأم)؛ لأن الزوج ليس له قوة حاجبة تطرد الأشقاء. فإذا كان الأشقاء يدلون بذات الأم التي يدلي بها الإخوة لأم؛ وجب تشريكهم معهم في ثلثها.

•          الوجه الثالث (الأقوى لا يسقط بالأضعف): من المستقر في أصول الفرائض أن الأقوى قرابة لا يسقط بالأضعف؛ والإخوة الأشقاء أقوى قرابة من الإخوة لأم؛ لمساواتهم لهم في الإدلاء بالأم وزيادة الأب؛ فإذا لم يزدهم الأب قوة، فإنه لا يصح عقلًا أن يكون سببًا في إضعافهم وحرمانهم، وأسوأ أحوال الأب أن يُعتبر كعدمه (حمارًا أو حجرًا ملقى في اليم)، فتبقى قرابة الأم موجبة للتشريك في الثلث؛ ولهذا روى الحاكم عن زيد بن ثابت في المشتركة أنه قال: «هبوا أن أباهم كان حمارًا، ما زادهم الأب إلا قربًا، وأشرك بينهم في الثلث» [المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، 4/374، وقال: صحيح الإسناد].

ووصف العالم العنبري هذا المخرج بقوله: «هذه وساطة مليحة، وعبارة صحيحة» [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 31/339].

ثالثًا: تقارب الأدلة وإقرار قاعدة "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد"

إن تغير الفتوى والقضاء في هذه المسألة يعود لتقارب الأدلة الفقهية فيها بشكل كبير؛ ولذلك نُقِل عن عمر، وعثمان، وابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهم قضاءان مختلفان؛ وحيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «واختلف في ذلك عن عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة، حتى قيل: إنه اختلف فيها عن جميع الصحابة إلا عليًّا وزيدًا؛ فإن عليًّا لم يختلف عنه أنه لم يشرك، وزيدًا لم يختلف عنه أنه يشرك. قال العنبري: القياس ما قال علي، والاستحسان ما قال زيد» [مجموع الفتاوى، 31/339].

•          تأسيس القاعدة الأصولية: عندما جاء الإخوة إلى عمر في القضاء الثاني وقالوا له: إنك لم تشرك بينهم في العام الماضي، أجابهم بقاعدته القضائية الفذة: «تلك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا» [السنن الكبرى، البيهقي، 12/575].

فأسس رضي الله عنه القاعدة الكبرى: "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد"؛ لأن الأحكام الاجتهادية التي لا نص فيها لو نُقِضت بأثر رجعي لزعزع ذلك استقرار القضاء وحقوق الناس.

•          ثمر الخلاف والورع العلمي: يوضح الإمام الشاطبي أن هذا الاختلاف محمود ومأذون فيه؛ حيث قال: «ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا في أحكام الدين ولم يتفرقوا، ولا صاروا شيعًا؛ لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد الرأي، والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصًا، واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين؛ لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به كاختلاف أبي بكر وعمر وعلي وزيد في الجد مع الأم، وقول عمر وعلي في أمهات الأولاد، وخلافهم في الفريضة المشتركة» [الاعتصام، إبراهيم بن موسى الشاطبي، 2/734].

ونقل عن سفيان الثوري قوله: «ما اختلف فيه الفقهاء، فلا أنهى أحدًا من إخواني أن يأخذ به..، إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه» [الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، 2/135-136].

وثبت عن قبيصة بن جابر قال: «ما رأيت رجلًا أعلم بالله، ولا أقرأ لكتاب الله، ولا أفقه في دين الله من عمر» [مصنف ابن أبي شيبة، 6/355].

رابعًا: مخالفة الشيعة الصارخة للقرآن وقضاء علي بن أبي طالب

إن الموقف الفقهي للشيعة الإمامية في مسألة المشتركة يكشف عن تناقض حاد؛ إذ إنهم بحلهم للمسألة قد خالفوا صريح القرآن الكريم، وخالفوا قضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي يزعمون التمسك به:

1.         مخالفتهم لصريح القرآن: حكم المشتركة على قواعد الشيعة الإمامية هو: أن يأخذ الزوج فرضه (النصف)، وتأخذ الأم التركة كاملة (فرضًا وردًا)، ويُحرم جميع الإخوة (سواء كانوا لأم أو أشقاء) من الميراث بالكامل؛ بسبب وجود الأم! وهذا صدمة وإبطال لآيات القرآن؛ لأن الله تعالى يقول في الكلالة: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12].

وهذه المسألة كلالة يقينًا لعدم وجود الولد والوالد، والزوج أخذ النصف، فتعدد الإخوة يحجب الأم حجب نقصان من الثلث إلى السدس، ويبقى الثلث فرضًا مقدرًا بنص القرآن لهؤلاء الإخوة؛ فحرمان الشيعة للإخوة لأم من الثلث وإعطائه للأم ردًا هو معاندة واضحة وتكذيب لقوله تعالى: {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}.

2.         مخالفتهم لقضاء علي بن أبي طالب: إن عليًّا رضي الله عنه لم يحرم الإخوة لأم؛ بل حكم بإعطائهم الثلث عملًا بالقرآن، ومنع الأشقاء عملًا بالقاعدة العاصبة؛ حيث روى البيهقي: «عن أبي مجلز، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه شرك بين الإخوة من الأم والإخوة من الأب والأم في الثلث، وأن عليًّا رضي الله عنه لم يشرك بينهم» [السنن الكبرى، البيهقي، 12/577].

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن إبراهيم النخعي في ذات المسألة المشتركة: «فلزوجها النصف ثلاثة أسهم، ولأمها السدس سهم، ولإخوتها لأمها الثلث سهمان، ولم يجعل لإخوتها لأبيها وأمها من الميراث شيئًا في قضاء علي؛ قال البيهقي: فهو عن علي رضي الله عنه مشهور» [مصنف ابن أبي شيبة، 16/233، رقم 31746؛ السنن الكبرى، 12/582].

فها هو علي رضي الله عنه يورث الإخوة لأم الثلث كاملًا موافقة للقرآن، بينما الشيعة الإمامية يحرمونهم بالكلية؛ مما يثبت أنهم خالفوا القرآن وعليًّا معًا.

الخلاصة:

•          الاجتهاد السائغ المبني على الاستحسان: ثبت علميًّا أن حكم الفاروق عمر رضي الله عنه في المسألة المشتركة بالتشريك هو اجتهاد فقهي رفيع مبني على أصول "الاستحسان" والعدالة التشريعية، وتفصى من فكرة حرمان صاحب القرابة الأقوى (الشقيق) مع إرث صاحب القرابة الأضعف (لأم) عند مشاركتهما في ذات الأم.

•          تأسيس القواعد القضائية المستقرة: برهن تغير قضاء عمر في الحادثة على رسوخ الفقه القضائي عنده؛ حيث أسس قاعدة "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد"، وهي قاعدة مجمَع عليها تضمن استقرار الأحكام وصيانة حقوق الرعية، ولم يعترض عليها أحد من الصحابة.

•          محمودية الخلاف وتقارب الأدلة: تبين أن مسألة المشتركة مما تقاربت فيه الأدلة بوضوح، ولهذا رُوي فيها قضاءان عن سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كعثمان وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم؛ مما يجعل المشاحنة فيها ضربًا من الجهل بآداب الخلاف الفقهي المحمود.

اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه ابتدع "العول" في الميراث

•          تناقض ومخالفة الشيعة للأصول: انقطعت الشبهة بإلزام الشيعة بمخالفتهم الصارخة؛ حيث إنهم في هذه المسألة حرموا الإخوة لأم من نصيبهم (الثلث) وصدموا آية الكلالة في القرآن الكريم، وخالفوا عليًّا رضي الله عنه الذي ثبت عنه التنصيص على توريث الإخوة لأم ثلث التركة، مما يؤكد أن الطاعنين أبعد ما يكون عن القرآن وعن أهله.

الشبهة


لتحميل الملف pdf

تعليقات