الرد التفصيلي على الشبهة:
أولاً: الآية ليست على تحقق وجود مَن هن خير منهما، بل على القدرة الإلهية.
قوله تعالى: [قالت الشيعة: إن قوله تعالى: [عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ ] {التحريم:5} يفيد أن هناك من النساء من هن خير من عائشة وحفصة على أقل تقدير، ومفهوم المخالفة في قوله تعالى: [مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا {التحريم:5} هو أن هذه الصفات لا تصدق على عائشة وحفصة؛ لأن الله تعالى في معرض بيان أن النساء البديلات عنهما سيكن خيرًا منهما؛ لأن هذه الصفات تصدق عليهن دونهما!([1]) ] {التحريم:5} هذا إخبار عن قدرة الله سبحانه أنه إذا وقع الطلاق فإنه قادر على أن يعوض نبيه ق أزواجًا خيرًا من نسائه، مع علمه أن الطلاق لا يقع، فدل ذلك على إخباره E ذلك على وجه الزجر والتخويف لهن.
قال الشوكاني: «أَيْ: يُعْطِيهِ بَدَلَكُن أَزْوَاجًا أَفْضَلَ مِنكُن، وقَدْ عَلِمَ اللهُ سُبْحَانهُ أَنهُ لَا يُطَلِّقُهُن، ولَكِن أَخْبَرَ عَن قُدْرَتِهِ عَلَى أَنهُ إِن وقَعَ مِنهُ الطَّلَاقُ أَبْدَلَهُ خَيْرًا مِنهُن تَخْوِيفًا لَهُن، وهُوَ كَقَوْلِهِ: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم] {محمد:38}، فَإِنهُ إِخْبَارٌ عَن الْقُدْرَةِ وتَخْوِيفٌ لَهُمْ»([2]).
فإنه صلى الله عليه وسلم إن طلقهن لا يكُن بعدها أمهاتٍ للمؤمنين؛ فيجوز عليهن ما يجوز على غيرهن ولا مزيةَ لهن، فتكن غيرهن أفضل منهن إن نكحهن النبي بلا نزاع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والصحيح الفرق بين من طلقها ومن مات عنها، فمن مات عنها فهي من أمهات المؤمنين ومن أزواجه في الآخرة، بخلاف من طلقها فإنها تباح لغيره أن يتزوجها، ولولا هذا لم يحصل لهن بالتخيير فائدة، وقد قال تعالى في آية التخيير: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا] {الأحزاب:28}»([3]).
ولكنه لم يطلقهن ولم يبدله الله أزواجًا خيرًا منهن، فدل ذلك على أنهن ظَلَلْن على المنتهى في الخيرية؛ لبقائهن في العصمة النبوية.
قال الشنقيطي: «وَقَوْلُهُ تَعَالَى: [عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ] لَمْ يُبَيِّن هَلْ طَلَّقَهُن أَمْ لَا؟ مَعَ أَن عَسَى مِن اللهِ لِلتَّحْقِيقِ، ولَكِنهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُن كَمَا بَيَّنهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْأَحْزَابِ»، بِأَنهُ تَعَالَى خَيَّرَهُن بَيْن اللهِ ورَسُولِهِ، وبَيْن الْحَيَاةِ الدُّنيَا وزِينتِهَا، فَاخْتَرْن اللهَ ورَسُولَهُ والدَّارَ الْآخِرَةَ، فَلَمْ يُطَلِّقْهُن، ولَمْ يُبْدِلْهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنهُن»([4]).
وعليه؛ فالآية لا علاقة لها بوجود من هن أفضل من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هي إخبار عن قدرة الله على أن يوجد لنبيه ذلك في حال وقوع الطلاق، ولم يقع.
ثانيًا: خيرية أمهات المؤمنين ليست مستقلة، إنما هي تابعة للنبي
معلوم أن خيرية نساء النبي إنما جاءت من اتصالهن به ق، ولذلك قال الله تعالى: [ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا] {الأحزاب:32}، فإذا طلَّق النبي ق امرأةً منهن فقد خرجت من هذا الشرف.
فإذا كان ذلك الشرف باقيًا باتصال أزواج النبي به، فالخيرية باقية لهن على سائر نساء الأمة؛ لبقاء هذا الاتصال بلا انقطاع.
فإذا طلقهن النبي فأنكحه الله غيرهن فيكون غيرهن على هذه الخيرية، وليس ذلك استقلالًا إنما تبعًا لاتصالهن به بالنكاح، فلما لم يقع الطلاق وبقي سبب اتصالهن به ثبتت لهم الخيرية بلا انقطاع؛ إذ مات وهن أزواجه في الدنيا، ويكن أزواجه أيضًا في الآخرة.
ثالثًا: النص على فضل أم المؤمنين
أفضليةُ أم المؤمنين عائشة ل ثبتت بالنص عن النبي في حديث الثَّريد، فعَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «كَملَ مِن الرِّجَالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِن النسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنتُ عِمْرَان، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْن، وفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»([5]).
فهذا دليل واضح أنها مُفضَّلة حتى على من ذكرهن رسول الله في الرواية من أحد الوجوه على قول بعض أهل العلم، ولا أقل من أنها تلتحق بهن في السيادة كما ألحقها بهن في الفضيلة.
فضل الثريد على سائر الطعام ثابت عند الرافضة
أخرج الكليني في «الكافي» عن سلمة بن محرز قال: «قال لي أبو عبد الله : عليك بالثريد؛ فإني لم أجد شيئًا أوفق منه»([6]).
قال ابن القيم: «الثريد مركَّب من لحمٍ وخبزٍ، واللحمُ سيدُ الآدام، والخبزُ سيد الأقوات، فإذا اجتمَعَا لم يكن بعدها غاية»([7]).
وقال المجلسي الأول: «وفي الصحيح، عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عن سيد الأدم في الدنيا والآخرة، فقال: اللحمُ، أما سمعت قول الله: [وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ] {الواقعة:21}، وفي القوي، عن علي قال: قال رسول الله: «اللَّحْمُ سيدُ الطعامِ في الدنيَا والآخِرَة» وقال رسول الله : «سيِّدُ إدَامِ الجنةِ اللَّحْمُ»، وعن أبي جعفر قال: سيد الطعام اللحم»([8]).
فتشبيه النبي فضل عائشة على النساء بفضل الثريد على الطعام تفضيل واضح لها على سائر النساء.
ومما يدل على فضل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ما ثبت في الصحيحين، أن عمرو بن العاص سأل النبي عن أحب الناس إليه فقَالَ: «عَائِشَةُ»، قَال: قُلْتُ: مِن الرِّجَالِ؟ فقَالَ: «أَبُوهَا»([9]).
قال ابن حزم : «فَإِذا كَانت عَائِشَةُ أتمَّ حظًّا فِي الْمحبَّة الَّتِي هِيَ أتم فَضِيلَة؛ فَهِيَ أفضل مِمَّن حَظه فِي ذَلِك أقل من حظها؛ ولذَلِك لما قيل لَهُ : مِن الرِّجَال؟ قَالَ: «أَبوهَا» ثمَّ «عُمَر»، فَكَان ذَلِك مُوجبًا لفضل أبي بكر ثمَّ عمر على سَائِر الصَّحَابَة، فَالْحكم بِالْبَاطِلِ لَا يجوز فِي أَن يكون يقدَّم أَبُو بكر ثمَّ عمر فِي الْفضل من أجل تقدمها فِي الْمحبَّة عَلَيْهِمَا، ومَا نعلم نصًّا فِي وجوب القَوْل بِتَقْدِيم أبي بكر ثمَّ عمر على سَائِر الصَّحَابَة إِلَّا هَذَا الْخَبَر وحده.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّد): وقد نص النبِي على مَا يُنكح لَهُ من النسَاء، فَذكر الْحسب والْمَال والْجمال والدّين، ونهى عَن كل ذَلِك بقوله: «فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَدَاكَ»، فَمِن الْمحَالِ الْمُمْتَنع أَن يكون يحض على نكَاح النسَاء واختيارهن للدّين فَقَط، ثمَّ يكون هُوَ يُخَالف ذَلِك فيحب عَائِشَة لغير الدّين، وكَذَلِكَ قَوْله : «فَضْلُ عَائِشَةَ على النسَاء كفضْلِ الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام» لَا يحل لِمُسلم أَن يظن فِي ذَلِك شَيْئًا غير الْفضل عِند الله تعالى فِي الدّين، فوصف الرجل امْرَأَته للرِّجَال لَا يرضى بِهِ إِلَّا خسيسٌ نذلٌ سَاقِطٌ، ولَا يحل لمن لَهُ أدنى مسكَةٍ من عقل أَن يمر هَذَا فِي باله عَن فَاضل من الناس، فَكيف عَن الْمُقَدّس المطهر الْبَائِن فَضله على جَمِيع الناس؟!»([10]).
رابعًا: ما يقوله الرافضي في حفصة وعائشة يُقال في غيرهن من بقية الأزواج
الآية أخبرت عن الصفات التي تليق بمن يختارها الله زوجة لنبيه، ولن يرضى الله لنبيه بزوجة ليس فيها تلك الصفات، فلما عُلِم بالضرورة أن النبي لم يطلقهن فقد ثبت أن الله تعالى رضيهن لتحقق تلك الصفات فيهن، وقد وقع التخيير لجميع النساء، وقبْلَه وقع الإيلاء والاعتزال من جميع النساء.
روى البخاري بسنده أن عمر قال: «اعْتَزَلَ النبِيُّ ق أَزْوَاجَهُ...»([11])، وعند مسلم عنه: «فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَطَلَّقْتَهُن؟ قَالَ: «لَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ والْمُسْلِمُون يَنكُتُون بِالْحَصَى، يَقُولُون: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ نسَاءَهُ، أَفَأَنزِلُ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنكَ لَمْ تُطَلِّقْهُن، قَالَ: «نعَمْ، إِن شِئْتَ»، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَن وجْهِهِ، وحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وكَان مِن أَحْسَن الناسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نزَلَ نبِيُّ اللهِ ونزَلْتُ، فَنزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، ونزَلَ رَسُولُ اللهِ كَأَنمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنمَا كُنتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وعِشْرِين، قَالَ: «إِن الشَّهْرَ يَكُون تِسْعًا وعِشْرِين»، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي، لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ نسَاءَهُ، ونزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)] {النساء:83}، فَكُنتُ أَنا اسْتَنبَطْتُّ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وأَنزَلَ اللهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ»([12]).
وعليه؛ فقد وقع الاعتزال للكل والتخيير للكل، ونزلت آية التخيير في الجميع، فيلزم أن يقول الرافضي في سائر النساء ما قاله في عائشة وحفصة؛ لأن الآية لم تستثن واحدة منهن، بل شمِلت الجميع.
([1]) الفاحشة (ص472).
([2]) فتح القدير، الشوكاني (5/299).
([3]) الاستغاثة في الرد على البكري (ص371).
([4]) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (8/222).
قال (إسماعيل حقي 10/56) صاحب روح البيان: «وكان الله عالِمًا بأنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن طلقهن أبدله خيرًا منهن تخويفًا لهن، كقوله تعالى: [وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم] {محمد:38}، فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أصحاب محمد ق .
قيل: كل عسى في القرآن على الوجوب إلا هذا، وقيل: هو أيضًا على الوجوب، ولكن الله علَّقه بشرط وهو التطليق ولم يطلقهن، فإن المذهب أنه ليس على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين، إلا أنه ق إذا طلقهن لعصيانهن له وأذاهن إياه كان غيرهن من الموصوفات بهذه الصفات مع الطاعة لرسول الله خيرًا منهن».
([5]) صحيح البخاري (5/29).
([6]) الكافي، الكليني (12/445) وحسنه المجلسي في المرآة (22/143).
([7]) زاد المعاد (4/271).
([8]) روضة المتقين، محمد تقي المجلسي (7/502).
([9]) صحيح البخاري (5/166)؛ صحيح مسلم (4/1856).
([10]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/99 - 100).
([11]) صحيح البخاري (7/28).
([12]) صحيح مسلم (2/1105).
لتحميل الملف pdf