أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أنه لم ينزل في الصديق وآلِه شيءٌ من القرآن

يستدل الشيعة برواية الإمام البخاري عن يوسف بن ماهك، حين خطب مروان بن الحكم في الحجاز ليزيد بن معاوية، فاعترض عليه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال مروان: «إنَّ هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾»، فقالت عائشة رضي الله عنها: «ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أنَّ الله أنزل عذري"، وزعموا أنَّ هذا نفيٌ مطلق لنزول أي آية في فضل الصديق أو ذكرٍ له في الغار. [الإفصاح عن المتواري، محسن الخياط (1/439)].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: تحديد مراد أم المؤمنين من لفظ (فينا)

إنَّ فهم الرواية يبدأ من إدراك السياق الذي قيلت فيه؛ فنفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كان ردًا مباشرًا على مروان بن الحكم الذي أراد إلصاق آية "ذم" بأخيها عبد الرحمن، فجاء نفيها منصبًا على هذا النوع من الآيات التي تتناول ذم أفراد بيت الصديق أو تعيينهم في مقام التوبيخ، ويؤكد الحفاظ أنَّ لفظ (فينا) أرادت به "بني أبي بكر" (أي الأبناء) في تلك الواقعة، كما قرره الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (8/577) بقوله: «ليس كما فهم هذا الرافضي، بل المراد بقول عائشة (فينا) أي: في بني أبي بكر، والمراد نفي إنزال ما يحصل به الذم».

ثانيًا: ثبوت الآيات النازلة في فضل الصديق بخصوصه

لا يستقيم ادعاء النفي المطلق مع وجود آيات صريحة نزلت في الصديق بإجماع المفسرين وأهل العلم، ومنها آية الغار: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40]، وآية الإنفاق التي نزلت فيه حين عاتب الله نبيه في شأن مسطح بن أثاثة: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22].

ويوضح الإمام العيني في «عمدة القاري» (19/170) بطلان الشبهة مبينًا أنَّ الصديق رضي الله عنه نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾، وغيرها من الآيات التي خصته بالمدح والثناء.

ثالثًا: تناقض الشيعة في إثبات آيات الذم ونفي آيات المدح

يقع المستدلون بهذه الشبهة في تناقض منهجي صارخ؛ فبينما يتمسكون بقول عائشة لنفي آيات "المدح"، نراهم يملؤون كتبهم بدعاوى أنَّ هناك آيات كثيرة نزلت في "ذم" الصديق، فإذا كانت عائشة قد نفت نزول شيء فيهم مطلقًا، فكيف يثبتون هم آيات الذم؟!

والحقيقة أنَّ كل آية زعموا أنها نزلت لذمه هي في حقيقتها شهادة بفضله، واستدلالهم بنفي عائشة هنا ما هو إلا انتقائية وتأويل بعيد عن مراد النص، وهذا ما أشار إليه ابن حجر بلفظ "شغب الرافضة". [فتح الباري (8/577)].

فقد زعم القوم أنَّ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]، نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما على سبيل الذم والتوبيخ، وقد صرح بذلك كبار مفسريهم وعلمائهم:

تفسير القمي: ذكر علي بن إبراهيم القمي (وهو من أقدم مفسريهم) في تفسيره أنَّ هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر حين ارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ. [تفسير القمي (2/319)].

تفسير مجمع البيان: أورد الطبرسي أنَّ الآية نزلت في أبي بكر وعمر حين تنازعا في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن معبد، وزعم أنها سيقت لبيان سوء أدبهما مع مقام النبوة. [مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي (9/218)].

تفسير البرهان: للسيد هاشم البحراني، الذي جمع مروياتهم في أنَّ هذه الآيات وأمثالها نزلت لتعنيف الشيخين. [البرهان في تفسير القرآن (5/99)].

ولا يقتصر الأمر على سورة الحجرات، بل ادعوا نزول آيات كثيرة أخرى بزعمهم أنها تذم الصديق، ومنها:

آية التوبة (40): ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾؛ زعموا أنَّ قوله (لا تحزن) دليل على نقص إيمانه أو خوفه المذموم، وصرح بذلك المفيد في أماليه. [الأمالي، الشيخ المفيد (ص 126)].

آية التحريم (4): ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؛ زعموا أنها ذم لعائشة وحفصة، وبالتبعية لوالديهما، وهو ما يملأ كتبهم كـ "بحار الأنوار" و"تفسير العياشي". [تفسير العياشي (2/269)، بحار الأنوار، المجلسي (22/229)].

وواضح للعيان تناقضهم في استدلالهم؛ فبينما يتمسكون بكلام أم المؤمنين عائشة لنفي آيات "المدح"، يمتلئ تراثهم بمحاولات إثبات آيات "الذم"، وهذا الجمع بين النفي (للمدح) والإثبات (للذم) هو تهافت مفضوح كشفه علماء السنة كابن حجر والعيني في شروحهم للبخاري.

رابعًا: تهافت دعوى القدح بعدم نزول آية مخصوصة بالاسم

إنَّ عدم نزول آية في مدح رجل بعينه -على فرض وقوعه- ليس قدحًا فيه؛ إذ لم ينزل في آحاد كبار الصحابة الذين يتولاهم الشيعة (كأبي ذر، والمقداد، وسلمان) آيات بأسمائهم أو في أعيانهم، بل إنَّ كثيرًا من آل البيت لم تنزل في آحادهم آيات خاصة. فالفضل يثبت بعموم الوحي وبالسنة المتواترة التي شهدت للصديق بأنه "خير هذه الأمة بعد نبيها"، وهو ما يكفي عن تعيين الاسم في القرآن، وإن كان ذكره قد ورد وصفًا وتلميحًا يقينيًا في مواضع شتى لا ينكرها إلا جاحد. [عمدة القاري، العيني (19/170)].

الخلاصة:

تحديد المحل: نفي عائشة كان لنفي "آيات الذم" التي ادعاها مروان على أخيها، وليس نفيًا لمنزلة والدها في القرآن.

الآيات الثابتة: القرآن الكريم خلّد ذكر الصديق في مواطن التضحية (الغار) والفضل (الإنفاق) والسبق (الإيمان).

الرد الإلزامي: تمسك الخصم بنفي نزول شيء في آل أبي بكر يبطل مزاعمه بوجود آيات تذمهم، وهو ما ينسف بنيان شبهاتهم الأخرى.

اقرأ أيضا| زعمهم أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان أحبَّ إلى النبي ﷺ من الصديق

شرف الصحبة: يكفي الصديق فخرًا أنَّ الله سماه (صاحبه) في كتابه، وهي مرتبة لم تثبت لغيره من الصحابة بنص القرآن.


لتحميل الملف pdf

تعليقات