يزعم علي بن يونس العاملي وغيره من علماء الشيعة أنَّ دعوى إنفاق أبي بكر الصديق رضي الله عنه معارضة بالأدلة التاريخية التي تزعم أنه كان "خياطًا"، وأنَّ ابنته أسماء كانت تنقل النوى على رأسها من مسافات بعيدة لفقرها، وأنَّ أباه (أبا قحافة) كان "عِضْرُوطًا" (خادمًا على طعام بطنه) لابن جدعان، ولو كان الصديق غنيًا لصان أباه عن ذلك، وخلصوا إلى أنَّ الأصل هو الفقر ولا دليل على الغنى والإنفاق. [الصراط المستقيم، علي بن يونس (1/182)].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: تواتر الأخبار بإنفاق الصديق وشهادة النبي ﷺ
شهادة المصطفى ﷺ بعظيم أثر ماله: روى ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا أَحَدٌ عِنْدِي أَعْظَمَ يَدًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ؛ وَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْكَحَنِي ابْنَتَهُ». [الأحاديث المختارة، الضياء المقدسي (11/242)].
وهذا التصريح النبوي يربط بين المواساة بالنفس والمواساة بالمال، مما يقطع بأنَّ أبا بكر كان من أهل الثروة الذين سخروا إمكاناتهم المادية لدعم مهد الدعوة، والواجد هو من يواسي لا المعدم.
بذل الثروة كاملة في سبيل الله: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «أَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ ﷺ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟! قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ». [سنن أبي داود (2/54)، سنن الترمذي (5/615)].
فهذا النص يثبت وجود "مال" يخرج بنصفه عمر (وهو ميسور) ويخرج الصديق بكله، مما يدل على أنَّ إنفاق الصديق لم يكن مجرد صدقة عابرة، بل كان بذلًا لثروة حقيقية.
حجم الإنفاق المادي في مكة: قال ابن عبد البر في ترجمة الصديق: «أسلم وله أربعون ألفًا أنفقها كلها في سبيل الله، وأعتق سبعة كانوا يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة". [الاستيعاب، ابن عبد البر (3/966)].
فإنفاق أربعين ألفًا في مكة لإعتاق العبيد وتحريرهم هو دليل مادي لا يقبل الجدل على ثرائه قبل الهجرة، وهو ما ينسف دعوى الفقر من جذورها.
ثانيًا: حقيقة مكانة الصديق التجارية والاجتماعية
شهادة الخصوم (ابن الدغنة) على كرم الصديق: حين أراد الصديق الهجرة، قال له ابن الدغنة (سيد القارة): «إِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ». [صحيح البخاري (1/5)، مصنف عبد الرزاق (6/55)].
فهذه الصفات هي ذاتها التي وصفت بها خديجة رضي الله عنها النبي ﷺ، وهي صفات لا تطلق إلا على رجل ذي جاه ومال وفير "يكسب المعدوم" ويحمل أثقال الفقراء المالية.
تفنيد فرية مهنة "الخياطة": قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ خَيَّاطًا، وَإِنَّمَا كَانَ تَاجِرًا..، والتِّجَارَةُ كَانَتْ أَفْضَلَ مَكَاسِبِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ خِيَارُ أَهْلِ الْأَمْوَالِ مِنْهُمْ أَهْلَ التِّجَارَةِ». [منهاج السنة النبوية (8/545)].
فالصديق كان "بزازًا" (تاجرًا للثياب والسلاح)، ومحاولة الخصوم جعل "البزاز" خياطًا هي مغالطة لغوية تهدف لتصويره بصورة الحرفي البسيط لنفي قدرته على الإنفاق العظيم.
ثالثًا: إقرار مصادر الشيعة بمال الصديق وجوده
مواساة الصديق لعلي بن أبي طالب في زواجه: جاء في كتب الشيعة أنَّ الصديق قال لعمر وسعد بن معاذ حين أراد علي خطبة فاطمة: «فإنْ منعه قلَّة ذات اليد واسيناه وأسعفناه». [رياض الأبرار، نعمة الله الجزائري (1/53)، كشف الغمة (1/414)].
فهذا النقل اعتراف صريح من خصوم الصديق بأنه كان يملك فائضًا من المال يواسي به أكابر الصحابة كعلي رضي الله عنه، فكيف يُدعى فقره بعد هذا الإقرار؟
رابعًا: رد الفرية عن والد الصديق وعن عمل ابنته أسماء
تضحية آل الصديق وزهدهم الاختياري: إنَّ عمل أسماء رضي الله عنها في نقل النوى هو وسام شرف لبيت الصديق؛ فبعد أن أنفق والدها ماله كله لله ورسوله في مكة، آثرت هي وزوجها الزبير حياة الكفاف والعمل باليد صبرًا واحتسابًا. فالحالة التي رآها الخصوم بعد الهجرة لم تكن "فقرًا أصليًا"، بل كانت "زهدًا اختياريًا" بعد بذل الثروة في بناء الإسلام.
شرف العمل ودحض الطعن بالأُجرة: أما الزعم بأنَّ أبا قحافة كان "عضروطًا" (خادمًا)، فهي دعوى واهية، ولو صح الكد للرزق فليس عيبًا؛ فقد روى المرعشي الشيعي أنَّ عليًّا رضي الله عنه قال: «جُعْتُ مرةً جُوعًا شديدًا... فقاطعتُ امرأة (على العمل) كل ذَنُوبٍ على تمرة". [شرح إحقاق الحق، المرعشي (32/293)].
فإذا كان عمل والد الصديق أو ابنته طعنًا، فقد طعن الشيعة في إمامهم؛ والواقع أنَّ الصديق وآله، وعليًّا وآله، تنزهوا عن السؤال وبذلوا مجهودهم في الكسب الحلال، فصار ما يعده الشيعة مذمة هو في حقيقته قمة العفة والجهاد.
خامسًا: تناقض الشيعة في وصف ترف الأئمة وزهد الصديق
الترف في حياة الأئمة بحسب كتبهم: روي في كتبهم أنَّ جعفر الصادق برر لبسه الثياب الفاخرة بقوله: «فَأَمَّا إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا، فَأَحَقُّ أَهْلِهَا بِهَا أَبْرَارُهَا». [الكافي، الكليني (9/509)].
كما رووا أنَّ موسى الكاظم كان يجلس على أفخر موائد هارون الرشيد ويأكل "البوارِد". [رجال الكشي (1/500)].
فمن التناقض العجيب أن يُعاب على الصديق مالٌ أنفقه لإعتاق بلال وبناء الدولة، بينما يُمدح الأئمة بالتمتع بالدنيا وموائد السلاطين، وهذا يثبت أنَّ الهدف هو الطعن السياسي لا البحث عن الحقيقة.
الخلاصة:
تواتر إنفاق الصديق وماله بشهادة القرآن والنبي ﷺ والعدو والصديق.
دعوى الفقر ومهنة "الخياطة" هي جهل باللغة وافتراء على التاريخ، فقد كان "بزازًا" تاجرًا من أثرياء قريش.
عمل أسماء رضي الله عنها ووالده هو دليل على الزهد بعد البذل، والكد من أجل العفة، وهو ما شاركهم فيه علي رضي الله عنه، فلا يُتخذ ذريعة للطعن.
اقرأ أيضا| زعمهم أنه لم ينزل في الصديق وآلِه شيءٌ من القرآن
تهافت استدلالات الخصوم أمام إقرارات كتبهم التي أثبتت مواساة الصديق لآل البيت بماله.
لتحميل الملف pdf