أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه جزع عند موته

من افتراءات أتباع دين التشيع على أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ادعاؤهم أنَّه شهد على نفسه عند موته بعدم النجاة من عذاب الله، وأنه أصابه الجزع والشك في مصيره، مستغلين نصوصًا تدل في حقيقتها على كمال تقواه وشدة خشيته من الله تبارك وتعالى.

قال التيجاني: أخرج البخاري في «صحيحه» في باب مناقب عمر بن الخطَّاب، عن المسور بن مخرمة قال: «لَمَّا طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عبّاسٍ -وكأنَّه يجزّعه-: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثمَّ فارقته وهو عنك راضٍ، ثمَّ صحبت أبا بكرٍ فأحسنت صحبته، ثمَّ فارقته وهو عنك راضٍ، ثمَّ صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنّهم وهم عنك راضون.

قال: أمَّا ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنَّما ذاك منٌّ مِن الله تعالى منّ به عليَّ، وأمّا ما ذكرت من صحبة أبي بكرٍ ورضاه، فإنَّما ذاك منٌّ مِن الله، جلّ ذكره، منّ به عليّ، وأمّا ما ترى من جزعي، فهو من أجلك وأجل أصحابك، واللّه لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه". [صحيح البخاري، 5/12، برقم 3692].

كما يروج كُتّابهم لهذه الشبهة في مصادر عديدة مثل: (الصراط المستقيم، العاملي، 3/25)، و(الغدير، الأميني، 6/188)، زاعمين أن قوله: «ليتني كنت كبش أهلي يسمّنونني..،» دليلٌ على رعبٍ أصابه لعلمه بسوء مصيره. [ثم اهتديت، التيجاني، ص 111].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: حقيقة الخشية العمرية في ميزان الوحي

إنَّ ما ورد في الرواية لا يقدح في إيمان عمر رضي الله عنه ولا في يقينه بتبشير النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة، بل هو من أعظم مناقبه التي تدل على مراجعته الدائمة لنفسه؛ وبيان ذلك في النقاط التالية:

1.         الخوف صفة العارفين بالله: إنَّ تعظيم الله وخشية عذابه هي سمة المؤمنين الذين لا يغترون بأعمالهم مهما بلغت، وقد أثنى الله على هذه الصفة في كتابه فقال: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٤٠) [النازعات: ٤٠].

فعمر رضي الله عنه لم يجزع شكًا في وعد الله، بل جزع هيبةً وإجلالًا لمقام الربوبية، وهذا هو حال الصديقين.

2.         بطلان التشبيه بحال الكفار: يحاول الرافضة في كتبهم (مثل بحار الأنوار، 31/157) تشبيه قول عمر بقول الكفار يوم القيامة، وهذا جهلٌ مطبق؛ فالله تعالى يقول عن الكافرين: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٤٧) [الزمر: ٤٧].

والفرق أنَّ الكفار يطلبون الفداء "بعد" رؤية العذاب يقينًا، أما عمر فيطلبه في "الدنيا" تعظيمًا لله وخوفًا من التقصير، والكافر في الدنيا لا يخاف: (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ٥٣) [المدثر: ٥٣].

ثانيًا: تناقض الرافضة مع مرويات أئمتهم عند الموت

من العجب أن يطعن أتباع هذا الدين في عمر بسبب خوفه، بينما نجد في أمهات كتبهم أنَّ أئمتهم "المعصومين" أصابهم مثل هذا الحال وأشد، ولم يعدوا ذلك جزعًا، ومنها مثالًا لا حصرًا:

1.         بكاء الحسن بن علي عليه السلام: روى الصدوق بسنده عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: لما حضرت الحسن بن علي الوفاة بكى، فقيل له: «يا بن رسول الله، أتبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكانك الذي أنت فيه؟! فقال: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع، وفراق الأحبة". [عيون أخبار الرضا، الصدوق، ٢/٢٧١].

فإذا كان الحسن رضي الله عنه يبكي من "هول المطلع" وهو سيد شباب أهل الجنة؛ فلماذا يُعد بكاء عمر وطلبه الفداء دليلًا على عدم النجاة؟!

2.         تمني السجاد لو لم تلدْه أمه: روى محمد تقي المدرسي في كتابه (من هدي القرآن) مناجاة علي بن الحسين السجاد التي يقول فيها: «ليت شعري، أللشّقاء ولدتني أمّي، أم للعناء ربّتني؟ فليتها لم تلدني، ولم تربّني». [من هدي القرآن، المدرسي، ١٢/١٩٢].

هذه الأمنية هي عين ما قاله الفاروق رضي الله عنه، بل إنَّ القرآن ذكر مثل ذلك عن مريم عليها السلام: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ٢٣) [مريم: ٢٣].

فهل سيطعن الرافضة في طهارة مريم أو إمامة السجاد كما فعلوا مع عمر؟

ثالثًا: تهافت رواية "الكبش" ووجود أصلها لعلي وسلمان في كتبهم

الرواية الثانية التي يستدلون بها (ليتني كنت كبشًا) ساقطة إسنادًا، ومردودة عليهم من واقع مروياتهم:

1.         ضعف الإسناد الحديثي: الرواية فيها "جويبر بن سعيد الخراساني"، وهو متروك الحديث باتفاق. [الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي، ٢/٣٤٠]. كما أنَّ الضحاك لم يلقَ عمر قط، مما يجعل الرواية مكذوبة ومنقطعة.

2.         الإفحام من كتبهم: هذه الأمنية (تمني كونه كبشًا أو طائرًا) منسوبة لصحابتهم المنتجبين ولعلي بن أبي طالب نفسه في مصادرهم.

روى المجلسي وابن طاووس: «بكى النبي صلى الله عليه وآله بكاءً شديدًا، وبكت صحابته لبكائه، ولم يدروا ما نزل به جبرئيل عليه السلام، ولم يستطع أحد من صحابته أن يكلمه، وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا رأى فاطمة عليها السلام فرح بها، فانطلق بعضهم إلى بيتها، فجاء بها وهي تلبس شملة قد خيطت في اثني عشر مكاناً بسعف النخل، فلما خرجت نظر سلمان الفارسي رضي الله عنه إليها فبكى وقال: وا حزناه! إنَّ قيصر وكسرى لفي السندس والحرير، وابنة محمد صلى الله عليه وآله عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني عشر مكاناً! فلما دخلت فاطمة على النبي صلى الله عليه وآله قالت: يا رسول الله، إنَّ سلمان تعجب من لباسي، فوالذي بعثك بالحق مالنا في بيتنا ليلة خمس سنين إلا مسك كبش، نعلف عليه بالنهار ناضحنا، فإذا كان الليل افترشناه، وإنَّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف النخل. فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا سلمان، إنَّ ابنتي لفي الخيل السوابق. ثم قالت فاطمة عليها السلام: يا أبتِ فديتك، ما الذي أبكاك؟ فذكر لها ما نزل به جبرئيل من الآيتين، فسقطت فاطمة عليها السلام على وجهها وهي تقول: الويل ثم الويل لمن دخل النار.

فسمع سلمان فقال: يا ليتني كنت كبشاً لأهلي فأكلوا لحمي وقطعوا جلدي ولم أسمع بذكر النار. وقال علي عليه السلام: يا ليت السباع مزقت لحمي، وليت أمي لم تلدني، ولم أسمع بذكر النار. ثم وضع علي عليه السلام يده على رأسه وجعل يبكي ويقول: وا بعد سفراه! وا قلة زاداه في سفر القيامة! يذهبون في النار ويعذبون ». [بحار الأنوار، المجلسي، ٤٣/٨٨، ٨/٢٠٢]؛ و(الدروع الواقية، ابن طاووس، ص ٢٨٥).

فكيف يُذم عمر بقولٍ هو مفخرةٌ لعلي وسلمان في كتبكم؟!

إنَّ هذا التمني يعكس شدة الخشية من الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨].

فإما أن يكون الجميع جازعين شاكين، وإما أن يكون الجميع أتقياء خائفين، وتخصيص عمر بالذم هو عين الهوى والتعصب.

الخلاصة:

•          خوف عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وطلبه الفداء هو محض التقوى والورع، وهو حال العارفين الذين يجمعون بين الإحسان والمخافة.

•          الطعن في عمر بالجزع باطلٌ بطلانًا قاطعًا؛ لأنَّ كتب الرافضة أثبتت نفس هذا الحال لعلي بن أبي طالب والحسن بن علي والسجاد، بل والمنتجبين من الصحابة كسلمان وأبي ذر.

•          الروايات التي يستدلون بها إما صحيحة المحمل (الخوف المحمود) أو باطلة الإسناد (رواية الكبش)، وقد تبيّن أنَّ الخصوم يبترون المعاني ليوافقوا أهواءهم في الطعن.

اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه كان يضع يده في دُبُر البعير

•          اليقين بالجنة لا يمنع من خشية الله؛ فالتبشير بالجنة وعدٌ إلهي، والخشية تعبدٌ بشري، وعمر رضي الله عنه جمع بين اليقين بالوعد والافتقار في العبودية.


لتحميل الملف pdf

تعليقات