أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه ابتدع لفظة: (آمين) بعد قراءة الفاتحة في الصلاة

من افتراءات القوم على عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، أنه هو الذي ابتدع لفظة (آمين) وزادها في الصلاة بعد قراءة الفاتحة.

قال محمد الحسيني الشيرازي في كتابه الأربعين: «العجب كل العجب من أهل السُّنَّة، أنهم تركوا شريعة نبيهم وأخذوا بشريعة عمر، فقد غيروا الصلاة، وتركوا القنوت فيها، وزادوا آمين فيها، وهي كلمة سريانية يهودية، وعمر هو الذي أمرهم بذلك، فاتبعوه وتركوا ما جاء به الرسول». [الأربعين، ص 565].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ثبوت التأمين في السنة النبوية من غير طريق عمر رضي الله عنه

إنَّ التأمين في الصلاة ثابتٌ بالسُّنة الصحيحة من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا»، قال ابن شهابٍ: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين». [صحيح البخاري، برقم 780].

كما وصف وائل بن حجر رضي الله عنه جهر النبي صلى الله عليه وسلم بها بقوله: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَقَالَ: (آمِينَ) وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ». [سنن الترمذي، برقم 248].

وهذا النقل الصريح عن أبي هريرة ووائل بن حجر يقطع بأنَّ الكلمة هي "سُنّة نبوية" مسموعة بالآذان ومدَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم صوته، وليست "شريعة عمرية" مضافة كما يدعي الشيرازي؛ فالتأمين تشريع نبوي نقله الصحابة الذين عاينوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا تأمينه في محرابه، ولم ينتظروا خلافة عمر ليشرع لهم ما لم يفعله الرسول.

ثانيًا: اعتراف "صحيحة جميل" بمشروعية التأمين وبطلان حملها على التقية

وردت في كتب القوم رواياتٌ تصف الكلمة بالحُسن وتأمر بها؛ فقد روى الطوسي بسنده عن جميل قال: «سألت أبا عبد الله عن قول الناس في الصلاة جماعة حين تقرأ فاتحة الكتاب: (آمين)، قال: ما أحسنها! وأَخْفِضِ الصوتَ بها. ثم قال: ولو صح هذا الخبر لكان محمولًا على التقية». [تهذيب الأحكام 2/75].

ويعلق المجلسي في "ملاذ الأخيار" (ج 3/525) مؤكدًا صحة الحديث بقوله: «الحديث الخامس والأربعون: صحيح، قوله: لكان محمولًا ربما يقال: قوله: (أَخْفِضْ) كما قرأه الشيخ ينافي الحمل على التقية، نظرًا إلى أنهم لا يخفضون الصوت بها».

وهذا ما أكده الوحيد البهبهاني بقوله: «وفيه خلاف التقيَّة، فكيف يأمره بذلك؟ والعامّة يجهرون غاية الإجهار». [مصابيح الظلام 7/246].

فإذا كان الإمام الصادق يأمر بخفض الصوت في التأمين (خلافًا لجهر أهل السنة به غاية الإجهار)، فهذا برهانٌ ساطع على أنَّ الفعل تشريع حقيقي عنده لا تقية فيه؛ إذ لو كانت التقية هي الحامل له على هذا القول لأمرهم بالجهر ليوافق السواد الأعظم من المسلمين آنذاك ويتقي شرهم، لكنه أثبت أصل "التأمين" وخالف في "الهيئة"، مما ينسف فرية الابتداع العمري.

ثالثًا: تهافت محاولات تحريف النص واستحسان الإمام للفظة

أمام صراحة هذا النص، حاول الخوئي تحريف المعنى اللغوي بزعمه أنَّ (ما) في "ما أحسنها" نافية، أي أنه لا يُحسنها ولا يعرفها. [كتاب الصلاة 4/541].

وهذا تكلفٌ مضحكٌ رده محسن الحكيم مبينًا أنَّ النص للتعجب والاستحسان، قائلًا: «نعم قد يعارضها صحيح جميل: (سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الناس في الصلاة جماعة حين يقرأ فاتحة الكتاب: "آمين". قال عليه السلام: ما أحسنها، واخْفِضِ الصوتَ بها)، لكنه يتوقف على قراءة: (ما أحسنها!) بصيغة التعجب، لا بصيغة النفي، ولا بصيغة الاستفهام.

وإن كان قد ينفي الأخيرين الأمر في الذيل بخفض الصوت بها، واحتمال كونه من كلام الراوي بعيد؛ لأن خفض الصوت ثلاثي، وما في النسخة رباعي». [مستمسك العروة الوثقى 6/590].

واعتراف الحكيم بأن اللفظ للتعجب (أي مدح الفعل واستحسانه) يبطل فرية الشيرازي بأنها "كلمة يهودية سريانية"؛ إذ لا يعقل أن يمدح إمامٌ معصومٌ كلمةً يهوديةً دخيلةً ويصفها بالحُسن وهو في مقام بيان أحكام الصلاة، بل إنَّ هذا الاستحسان يثبت أنَّ الكلمة جزءٌ وقورٌ من الصلاة أقره الأئمة.

رابعًا: إقرار أكابر فقهاء الشيعة بجواز "آمين" ونقضه لفرية الابتداع

إنَّ ذهاب فحول فقهاء الشيعة للجواز بناءً على هذه الروايات هو أقوى إفحامٍ للخصوم؛ فقد قال الميرزا أبو القاسم القمي: «ونقل عن ابن الجنيد الجواز عقيب الحمد وغيرها، وقوَّاه بعض المتأخِّرين؛ لصحيحة جميل». [غنائم الأيام 2/507].

وأكد البحراني في "الحدائق الناضرة" (8/196) قائلًا: «ونقل عن ابن الجنيد أنه يجوز التأمين عقيب الحمد وغيرها، ومال إليه المحقق في (المعتبر)، ونقله في المدارك عن شيخه المعاصر، والظاهر أنه المحقق الأردبيلي كما عبر عنه في غير موضع من الكتاب بذلك».

فهل هؤلاء الأقطاب (ابن الجنيد، والمحقق الحلي، والمحقق الأردبيلي) كانوا يتبعون "شريعة عمر رضي الله عنه" ويتركون شريعة نبيهم كما يزعم الشيرازي؟ أم أنهم وجدوا في نصوص أهل البيت ما يشرعن هذا الفعل ويخرجه من دائرة البدعة؟

إنَّ فتواهم بالجواز بناءً على نصوصهم الصحيحة تصفع كل من يحاول المتاجرة بهذه القضية للنيل من الفاروق عمر رضي الله عنه.

الخلاصة:

•            التأمين سُنّة نبوية ثابتة رواها الصحابة فعلًا وقولًا، ولم تكن يومًا حكرًا على رأي عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

•            استحسان الإمام الصادق لقول "آمين" ووصفه له بأنه "حَسَن" في رواية صحيحة ينسف دعوى أنها كلمة سريانية يهودية مبتدعة.

•            اعتراف كبار محققي الشيعة (كالمجلسي والبهبهاني والحكيم) ببطلان "التقية" في روايات التأمين يثبت أصالة هذا الفعل عندهم.

اقرأ أيضا| زعمهم إثبات الولاية التكوينية للفاروق رضي الله عنه

•            فتوى كبار الفقهاء (كابن الجنيد والحلي) بالجواز هي الدليل القاطع على تهافت كلام الشيرازي وتناقضه الصارخ مع أصول مروياته.


لتحميل الملف pdf

تعليقات