يشنع علماء الشيعة ومراجعهم على أهل السنة بروايتهم أحاديث تدل على فرار الشيطان من عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ زاعمين أن في ذلك تطاولًا على مقام النبوة، وإثباتًا لأفضلية الفاروق على النبي صلى الله عليه وسلم؛ متجاهلين المعنى الدقيق لهذه الأحاديث وما ورد في كتبهم هم من علاقة "ودية" بين إبليس وأئمتهم.
فزعم مراجع الشيعة أن أهل السنة جعلوا الشيطان يرتع في بيت النبي صلى الله عليه وسلم بينما يفر من عمر، واعتبروا ذلك طعنًا في العصمة.
قال عالمهم صلاح الدين الحسيني: «نكتشف أن أمور التطاول على شخصه الكريم قد وصلت إلى أن جعلوا الشيطان يرتع في بيته، بينما يفرّ من عمر ومن كلّ فج يسلكه عمر" [نهج المستنير، الحسيني، 147].
وقال عماد الدين الطبري: «والعجب من القوم أنّهم يجيزون وسوسة الشيطان على الأنبياء والمرسلين.. وهذا عمر قضى أكثر عمره في عبادة الأصنام وكان مشركًا بالله، صار الشيطان يفرّ منه" [تعريب كامل البهائي، الطبري، 1/200].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: الحديث صحيح ولا يستلزم تفضيل المفضول على الفاضل
الحديث المذكور صحيح متفق عليه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «والّذي نفسي بيده، ما لقيك الشّيطان قطّ سالكًا فجًّا إلَّا سلك فجًّا غير فجّك" [البخاري، 3/1199]، [مسلم، 4/1863].
وهذا لا يعني أفضلية عمر، وللعلماء في ذلك توجيهات:
1. كمال القهر المحمدي للشيطان: حال النبي صلى الله عليه وسلم أكمل؛ لأنه قهر قرينه حتى أسلم، أما الشيطان الذي تعرض له في الصلاة فقد أمسكه وأسره.
يقول ابن القيم: «أين من يهرب منه عدوه، فلا يظفر به، إلى من يظفر بعدوه فيجعله في أسره وتحت يده وقبضته؟!» [طريق الهجرتين، ابن القيم، 228]، ففرار الشيطان من عمر رضي الله عنه هو عجزٌ عن مواجهته، أما مواجهته للنبي صلى الله عليه وسلم فهي وقوعٌ في قبضة النبي صلى الله عليه وسلم وتنكيله به.
2. الاستخفاف بالشيطان: الأنبياء لا يبالون بالشيطان ولا يلتفتون لوسوسته لعظم يقينهم، فإبليس قد يطمع فيهم اغترارًا فيدنو فيُحرق نفسه، أما عمر فكان شديد المناصبة للشيطان والاحتراز منه، فكان الشيطان يهابه لاستعداده له. [بحر الفوائد، الكلاباذي، 213].
ثانيًا: التناقض (حب إبليس لعلي في كتب الشيعة)
يستنكر مراجع الشيعة فرار الشيطان من عمر رضي الله عنه، بينما تطفح كتبهم بروايات تُثبت أن إبليس "يحب" علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويواليه؛ فهل هذا منقبة للإمام عندكم؟!
• إبليس يدافع عن علي رضي الله عنه: روى عالمهم الصدوق أن إبليس وقف أمام من يسبون عليًّا وقال لهم: «سوأةً لكم تسبّون مولاكم عليّ بن طالب.. ما أنا من مواليه ولا من شيعته، ولكنّي أحبّه». [علل الشرائع، الصدوق، 1/143-144].
• إبليس يقر بحب علي: روى الصدوق أيضًا أن إبليس قال لعلي: «ووالله يا علي، إني لأحبك جدًّا، وما أبغضك أحد إلا شركت أباه في أمه». [عيون أخبار الرضا، الصدوق، 1/77].
• ادخار حب علي ليوم المعاد: نقل البحراني أن عليًّا قال لإبليس: «يا أبا الحارث، ما ادّخرت اليوم ليوم معادك؟ فقال: حبّك». [مدينة معاجز الأئمة، البحراني، 1/127].
• شوق إبليس لرؤية علي: روى المجلسي أن إبليس قال للنبي: «يا رسول الله، اشتقت إلى رؤية علي فجئت آخذ منه الحظ الأوفر، وايم الله إني من أودائه، وإني لأواليه». [بحار الأنوار، المجلسي، 37/102].
وهنا تساؤل مشروع: إذا كان فرار الشيطان من عمر "إهانة" لمقام النبوة عندكم، فماذا تسمون "حب" الشيطان لعلي بن أبي طالب وشوقه لرؤيته وادخار حبه ليوم القيامة؟! أيهما أعظم في الفضل: من يفر منه عدو الله رعبًا، أم من يدعي عدو الله حبه وموالاته؟!
الخلاصة:
• فهم المنقبة: فرار الشيطان من عمر هو شهادة نبوية بقوة إيمانه وصلابته في الحق، وهو فضلٌ لا يرفعه فوق مقام النبوة، بل هو ثمرة من ثمار اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتربية النبوية.
• الفرق بين الفرار والأسر: فرار الشيطان من عمر دليل هيبة، وأسر النبي صلى الله عليه وسلم للشيطان دليل قوة وسلطان؛ والممسك بالعدو أمكنُ ممن يهرب العدو منه.
• الإلزام بالتناقض: مراجع الشيعة الذين يطعنون في "فرار" الشيطان من عمر، يروون في أصح كتبهم "حب" الشيطان لعلي؛ وهذا قلبٌ للموازين، فالعداوة مع الشيطان هي الأصل والمفخرة.
• تنزيه الأنبياء: وسوسة الشيطان لآحاد البشر ممكنة، أما الأنبياء فقد عصمهم الله؛ والحديث لا يثبت وسوسة للنبي بل يثبت "يأس" الشيطان من النبي صلى الله عليه وسلم وفراره من عمر.
• الأدب مع النص: كان الواجب على هؤلاء العلماء البحث في توجيه الحديث لا الطعن فيه، خاصة وأن مروياتهم في "وداد" إبليس لأئمتهم تجعلهم في حرجٍ شديد.
اقرأ أيضا| زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه قطع شجرة الرضوان؛ لأنها تذكره بتمرده على النبي صلى الله عليه وسلم
• قاعدة ذهبية: كما قال الحافظ ابن حجر: «والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه» [فتح الباري، 10/446]؛ فكيف إذا كان ما ادعوه خطأً هو في الحقيقة منقبةٌ ثابتة بالوحي؟!
لتحميل الملف pdf