أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

موقف الفاروق رضي الله عنه من الصلاة على رأس المنافقين

يدعي الشيعة أن موقف عمر رضي الله عنه حين حاول منع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول، يمثل طعنًا في عدالته؛ لأنه -بزعمهم- أساء الأدب مع مقام النبوة واعترض على فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل تشريع ينهى عن ذلك.

وقد استندوا إلى ما نقله عبد الصمد شاكر قوله: «عن ابن عمر: أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه، فقال: «آذِنِّي أُصَلِّ عَلَيْهِ» فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه فقال: أليس نهاك أن تصلي على المنافقين؟! فقال: «أنا بين خيرتين» قال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ"، فصلى عليه، فنزلت: "وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ"» («نظرة عابرة إلى الصحاح الستة»، عبد الصمد شاكر، ص125).

 ويزعم عالمهم محمد مهدي الخرسان أن هذا الموقف يقدح في شخصية عمر رضي الله عنه بقوله: «وهي وإن أوجبت جرحًا لعمر؛ حيث كان يتعجب بعد من جرأته على رسول الله صلى الله عليه وآله!" («موسوعة عبد الله بن عباس»، محمد مهدي الخرسان، 7/76).

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: موقف عمر كان غيرةً على الدين وطلبًا للمشورة

 إن اعتبار ما فعله عمر رضي الله عنه "جرأة" هو قراءة خاطئة للواقعة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يغضب منه ولم يوبخه، بل قابله بالابتسام، مما يدل على أن الفعل كان في إطار المشورة والحرص المحمود.

فقد وضح الزرقاني أن دافع عمر كان بغضه للمنافقين وصلابته في الحق، وليس مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «إنما قاله عمر عرضًا ومشورةً، لا إلزامًا وله بذلك عوائد، ولا يبعد أنه صلى الله عليه وسلم كان أذن له في مثل ذلك؛ ولذا احتمل منه أخذه بثوبه، ومخاطبته له في مثل المقام حتى التفت إليه مبتسمًا» (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، الزرقاني، 4/126).

ثانيًا: فهم عمر رضي الله عنه للنصوص السابقة

يستشكل عالمهم جعفر مرتضى العاملي كيف يزعم عمر أن الله نهى عن الصلاة والآية لم تكن قد نزلت بعد (الصحيح من سيرة النبي الأعظم، جعفر مرتضى العاملي، 26/105).

والحقيقة أن عمر رضي الله عنه استنبط هذا النهي من آيات أخرى سبقت الواقعة، وهو ما وضحه الحافظ ابن حجر بقوله: «والذي يظهر أن في رواية الباب تجوزًا بيّنته الرواية التي في الباب بعده..، فكأن عمر قد فهم من الآية المذكورة (التوبة: 80) ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أن (أو) ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الفائدة، أي: أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء" («فتح الباري»، ابن حجر، 8/334).

فعمر رضي الله عنه رأى أن الصلاة نوع من الاستغفار، وبما أن الله أخبر أن الاستغفار لهم لن ينفع، فقد فهم من ذلك النهي عن الصلاة عليهم.

ثالثًا: تناقض الرافضة في معايير الأدب مع معصومهم

بينما يهاجم عالمهم محمد حسن النجفي عمر رضي الله عنه ويتهمه بالنفاق والرياء بسبب هذا الموقف (جواهر الكلام، محمد حسن النجفي، 12/4)، نجد أنهم يبررون لأصحابهم أفعالًا هي أصرح في سوء الأدب.

فمثلًا "الفضل بن عبد الملك" (البقباق) يصفه علماؤهم بأنه "ثقة عين"، رغم اعترافهم بسوء أدبه مع الإمام الصادق غير مرة؛ حيث قال الخواجوئي: «والحق أن سوء أدبه غير مرة في خدمة الإمام عليه السلام يورث التأمل فيه" («الفوائد الرجالية»، الخواجوئي، ص252).

ومع ذلك اعتذر له الخوئي واعتبرها مجرد "زلة" لا تضر بوثاقته («معجم رجال الحديث»، الخوئي، 14/326).

كذلك "شهاب بن عبد ربه"، حين رد على أمر الإمام الصادق بتزكية ماله قائلًا: «إن الصبيان فضلًا عن الرجال ليعلمون أني أزكي مالي» («الكافي»، الكليني، 3/546).

ووصف المجلسي هذا الرد بأنه "سوء أدب" ومع ذلك بقي شهاب عندهم من "الصلحاء" والثقات («ملاذ الأخيار»، المجلسي، 6/141).

رابعًا: الطعن في علم معصومهم عند أوثق رواتهم

يدعي مروان خليفات أن عمر رضي الله عنه تطاول بكلامه وكأنه أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم («وركبت السفينة»، مروان خليفات، ص270).

ولكن ماذا يقولون في "أبي بصير المرادي" الذي هو من أعمدة رواة الشيعة؟ فقد اعترض على حكم الإمام في مسألة شرعية، بل وطعن في كمال علمه قائلًا: «ما أظن صاحبنا تناهى حكمه بعد!» وفي رواية أخرى: «أظن صاحبنا ما تكامل علمه!" («قاموس الرجال»، محمد تقي التستري، 8/626).

فإذا كان "أبو بصير" يزعم نقص علم إمامه المعصوم ويظل "ثقة جليلًا"، فلماذا يُلام عمر رضي الله عنه على نقاش أثبته الوحي لاحقًا وأيّد وجهة نظره؟

الخلاصة:

1.     اعتراض عمر رضي الله عنه لم يكن تشكيكًا في النبوة، بل كان ممارسة لحق المشورة الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقد نزل القرآن موافقًا لعمر، مما يثبت توفيقه لا جرأته.

2.     استخدام عمر للفظ "النهي" كان بناءً على فهم لغوي عميق لآيات الاستغفار التي نزلت سابقًا، وليس افتئاتًا على الوحي.

اقرأ أيضا| افتراؤهم على لفظة (زراط) وتدليسهم في مخارجها ومعانيها

3.     المنهج الرافضي يعاني من ازدواجية صارخة؛ فهم يغتفرون لرواتهم سوء الأدب والطعن في علم الأئمة، بينما يجعلون مراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم (التي انتهت بابتسامة نبوية وتأييد قرآني) جريمة توجب الجرح والتكفير.


لتحميل الملف pdf

تعليقات