أكاديمية حفظني القرآن شبهات وردود

زعمهم أن الفاروق رضي الله عنه قد خالف شرط القرشية وأراد أن يستخلف سالِمًا مولى أبي حذيفة

يُحاول مراجع الشيعة الطعن في فقه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ زاعمين أنه كان يرى عدم اشتراط القرشية في الخلافة، بدليل تمنيه استخلاف سالم مولى أبي حذيفة، وهو ليس قرشيًا، ويرومون من وراء ذلك اتهامه بمخالفة الأحاديث النبوية، بينما تثبت الأدلة والقرائن تهافت هذا الادعاء.

فزعم كاتبهم علي الميلاني أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خالف شرط القرشية في الخلافة؛ حيث قال: «على أنَّ اعتبار القرشيّة ينافي مذهب عمر بن الخطَّاب..، فإنَّه تمنى حياة بعض الموالي ليجعل فيه الخلافة من بعده! فقد قال: لو كان سالم حيًّا ما جعلتها شورى- يعنى: سالم بن معقل مولى أبي حذيفة» [الإمامة في أهم الكتب الكلامية، علي الميلاني، ص 162].

واستدلوا بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن شهر بن حوشب قال: «قال عمر بن الخطَّاب: لو استخلفت أبا عبيدة بن الجرّاح، فسألني عنه ربّي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: ربّ سمعت نبيّك وهو يقول: إنّه أمين هذه الأمّة، ولو استخلفت سالمًا مولى حذيفة، فسألني عنه ربّي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: ربّ سمعت نبيّك وهو يقول: إنّه يحبّ الله حقًّا من قلبه..،» [فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، 2/742].

الرد التفصيلي على الشبهة:

أولًا: ضعف الروايات وعدم ثبوتها نقدًا

إنَّ جميع الروايات التي استند إليها أصحاب هذه الشبهة ضعيفة من جهة الأسانيد، ولا تقوم بها حجة علمية؛ وتفصيل ذلك كالآتي:

•         رواية فضائل الصحابة لأحمد: قال المحقق الشيخ وصِي الله بن محمد عباس في تعليقه على الكتاب: «إسناده ضعيف لانقطاعه؛ لأن شهرًا لم يدرك عمر» [فضائل الصحابة، 2/742]؛ إذ ولد شهر بن حوشب في خلافة عثمان رضي الله عنه. [سير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/372].

•         رواية تاريخ الطبري: جاءت من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو إخباري ساقط لا يُحتج به. قال ابن الجوزي: «قال يحيى: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف» [الضعفاء والمتروكون، ابن الجوزي، 3/28]، وقال الذهبي: «لوط بن يحيى أبو مخنف ساقط» [المغني في الضعفاء، الذهبي، 2/535].

•         رواية ابن شبة في تاريخ المدينة: تفرّد بها أبو العجفاء، وهو راوٍ مختلف فيه. قال البخاري: «في حديثه نظر» [الكاشف، الذهبي، 2/443]، وخلاصة حاله ما ذكره ابن حجر بأنه: «مقبول» [تقريب التهذيب، ابن حجر، ص 658]؛ والمقبول عند ابن حجر يُضعّف حديثه إذا تفرد ولم يُتابع. [مصطلح مقبول عند ابن حجر، الجيطان، ص 277].

ثانيًا: السياق المقاصدي للفظ (لو) وحقيقة الشورى

لو تنزلنا جدلًا بصحة هذه الأحاديث، فإنَّ سياق كلام عمر رضي الله عنه جاء في معرض التمني باستخدام أداة الامتناع (لو)؛ لبيان الفضائل والمناقب الرفيعة لهؤلاء الأعلام، وتحري الأفضل للأمة، وليس تشريعًا للأحكام.

•         إنَّ التطبيق العملي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يكشف عن مذهبه الفقهي الحقيقي؛ إذ جعل الخلافة عند وفاته شورى بين ستة من أعيان الصحابة، وكلهم بلا استثناء من قريش، وهم: عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. [صحيح البخاري، 5/15]؛ فلو كان يرى جواز تولية غير القرشي لجعل معهم أحدًا من فضلاء الأنصار أو الموالي.

ثالثًا: الخلاف الفقهي في مسألة اشتراط القرشية

إنَّ اشتراط القرشية في الإمام الأعظم مسألة فقهية فرعية وقع فيها النظر بين العلماء تبعًا لاختلافهم في دلالة حديث «الأئمَّةُ من قريشٍ»؛ فلا يجوز الطعن في الفاروق بناءً على اجتهاد سائغ.

•         ذكر ابن حجر العسقلاني أنَّ الإجماع انعقد على اعتبار القرشية، لكنه أشار إلى وجود منازعات تاريخية من بعض الطوائف، وعقَّب على رواية استخلاف معاذ بن جبل (وهو أنصاري) بقوله: «فيحتمل أن يقال: لعلّ الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا، أو تغيّر اجتهاد عمر في ذلك» [فتح الباري، ابن حجر، 13/119].

رابعًا: حمل الحديث على إمامة الصلاة

ذهب جمع من محققي أهل العلم إلى أنَّ مراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالاستخلاف والتقديم في تلك الروايات إنما هو "إمامة الصلاة" في فترة الفراغ السياسي حتى يختار أهل الشورى خليفتهم؛ وإمامة الصلاة لا تُشترط فيها القرشية باتفاق المسلمين.

•         يقول ابن قتيبة الدينوري: «وكيف يظنّ بعمر رضي الله عنه أنَّه يقف في خيار المهاجرين، الَّذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة، فلا يختار منهم..، ويختار سالمًا عليهم؟! ولكنّ عمر لمَّا جعل الأمر شورى بين هؤلاء، ارتاد للصّلاة من يقوم بها..، فذكر سالمًا فقال: لو كان حيًّا ما تخالجني فيه الشَّك» [تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، ص 191-192]؛ ويشهد لهذا أنه عهد بالصلاة بعده لصهيب الرومي رضي الله عنه، وهو ليس قرشيًا.

خامسًا: تناقض الشيعة وإسقاطهم لشرط القرشية عمليًّا

العجيب أنَّ الشيعة يروون في أمهات كتبهم الأحاديث التي تحصر الإمامة في قريش، ومع ذلك يطعنون في عمر بها، ثم يعودون في الواقع العملي لإسقاط هذا الشرط تمامًا.

•         رواياتهم في القرشية: نقل كاتبهم حسين المنتظري الروايات المؤكدة على ذلك، ومنها ما جاء في نهج البلاغة: «إن الأئمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم» [دراسات في ولاية الفقيه، 1/374].

•         إسقاط الشرط في عصر الغيبة: يعتقد الشيعة أنَّ هذا الشرط خاص بالأئمة الاثني عشر فحسب، ويسقط فيمن يحكم بعدهم؛ حيث يقول المنتظري: «فلا دلالة في الحديث على اعتبار القرشية في الفقيه العادل المنتخب في عصر الغيبة» [المصدر نفسه، 1/378].

•         تطلع علمائهم للخلافة من غير قريش: ذكر محقق كتاب "الانتصار" للشريف المرتضى أنَّ الشريف الرضي (وهو ليس من الأئمة المعصومين عندهم) كان ينزع إلى الخلافة ويُمّني نفسه بها [الانتصار في انفرادات الإمامية، المقدمة، ص 17].

بل إنَّ ابن المطهر الحلي كان يدعو بدوام دولة السلاطين المغول كالسلطان "محمد خدابنده" بقوله: «وقرن دولته بالدوام إلى يوم القيامة» [منهاج الكرامة، الحلي، ص 29]؛ فأين غارتهم على شرط القرشية وحصر الإمامة؟!

الخلاصة:

•         بطلان المستند: الروايات التي زعموا فيها تمني عمر استخلاف سالم مولى أبي حذيفة ضعيفة الأسانيد، ومنقطعة، وفي طرقها متروكون وساقطون كأبي مخنف.

•         التطبيق العملي حجة: حصر عمر بن الخطاب الخلافة في الستة القرشيين من المهاجرين هو الدليل القاطع والعملي على التزامه بشرط القرشية.

•         إمامة الصلاة: ثبت بالقرائن التاريخية أنَّ التقديم المقصود لغير القرشيين (كأمر صهيب الرومي) كان لولاية الصلاة المؤقتة لا لولاية الحكم العام.

•         ازدواجية المعايير: يطعن الشيعة في الفاروق بادعاء مخالفة القرشية، في حين أنهم يجوزون تولي غير القرشي للحكومة العامة في عصر الغيبة، ويدعون لديمومة ملك سلاطين العجم كالمغول.

•         صون الأمة: تصرّف الفاروق رضي الله عنه في حصر الشورى في قريش كان نظرًا سديدًا لصيانة وحدة الأمة؛ لأنَّ العرب في ذلك الزمان لم تكن تنقاد وتجتمع إلا لقريش.

اقرأ أيضا|  فرية محاولة عمر رضي الله عنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة

•         كلمة جامعة: يقول الإمام الإسماعيلي: «إنَّ تمني عمر لبعض الأفاضل إنما هو إشادة ببلائهم في الدين، وعمر أفرغ الأمر في قريش عملًا بالسنة المتواترة لديه» [فتح الباري، ابن حجر، 13/120].


لتحميل الملف pdf

تعليقات