يتمسك الطاعنون في الصحابة برواية تاريخية منقطعة؛ زاعمين أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقرَّ بوجود غلٍّ وقصدٍ مسبقٍ من قريش لحرمان بني هاشم من الخلافة بعد النبوة، ويحاولون توظيف هذا الأثر لإثبات أنَّ إسلام الصحابة كان كُرهًا وتآمرًا، وهي شبهة واهية تسقط تمامًا أمام النقد العلمي الحديثي والقرائن التراثية.
ادعى كاتبهم عبد الحسين شرف الدين أنَّ الصحابة وسائر العرب لم يخضعوا للنبوة إلا مكرهين؛ حيث قال: «يعلم أنَّهم لم يخضعوا للنبـوّة الهاشمية إلا بعد أن تهشَّموا ولم يبق فيهم من قـوَّة، فكيف يرضون في اجتماع النبـوَّة والخلافة في بني هاشم، وقد قال عمر -في كلام دار بينه وبين ابن عبَّاس-: إنَّ قريشًا كرهت أن تجتمع فيكم النبـوّة والخلافة فتجحفوا على النـاس؟!» [فلسفة الميثاق والولاية، عبد الحسين شرف الدين، 1/69].
وأصل الشبهة مستند إلى ما ساقه الإمام الطبري في تاريخه قال: «حدثني ابن حميد قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ..، فقال عمر: يا بن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمد؟ ..، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوَّة والخلافة» [تاريخ الطبري، 2/417–418].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: بطلان الرواية وسقوطها من جهة الإسناد
إنَّ هذا الأثر التاريخي ساقطٌ ولا يصح من وجهٍ نقدي حديثي؛ حيث تضافرت في إسناده عللٌ قادحة تمنع الاحتجاج به:
• محمد بن حميد الرازي: وهو شيخ الطبري في هذا السند، وهو متروكٌ ومتهمٌ بالكذب. قال البخاري: «فيه نظر»، وقال أبو زرعة: «يكذب»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وخلاصة حاله ما أكده ابن حجر العسقلاني بقوله: «حافظ ضعيف» [تقريب التهذيب، ابن حجر، 1/475].
• تدليس محمد بن إسحاق وعنعنته: وهو صاحب المغازي، وكان معروفًا بالتدليس؛ قال ابن حجر: «صدوق، مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين، وعن شر منهم» [طبقات المدلسين، ابن حجر، ص 51]. وقد عنعن في هذا السند (فقال: عَنْ رجل)، والمدلس إذا لم يصرح بالسماع فلا يُحتج بحديثه؛ خاصةً وأنه مبهمٌ هنا في طبقة الشيوخ.
• الجهالة والانقطاع: الراوي عن عكرمة مبهمٌ لم يُسمَّ (عن رجل)، والجهالة في السند تُسقطه يقينًا في ميزان الرواية العلمية.
ثانيًا: نقض الطعن في إيمان الصحابة ومصادمة الوحي
إنَّ محاولة استغلال هذا الأثر الواهي للادعاء بأنَّ الصحابة لم يؤمنوا إلا تملقًا أو كرهًا هو طعنٌ غليظ يصادم صريح القرآن الكريم الذي زكاهم وأثبت إيمانهم القلبي الخالص.
• التزكية الإلهية: قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 74]؛ فمن يشهد الله له بالإيمان الحق، لا يضره تشغيب المشغبين.
• إقرار مرويات الشيعة بإيمان الشيخين: روى المجلسي في مصادفه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر خاصة حين قالا: أولسنا إخوانك؟ فقال: «قد آمنتم وهاجرتم، أنتم أصحابي» [بحار الأنوار، المجلسي، 52/132]؛ فهذا اعتراف صريح بسبق إيمانهم الصادق.
ثالثًا: إلزام الشيعة برواياتهم (الله وعلي كبِرا جمع الأمر)
إذا كان الشيعة يزعمون أنَّ منع الخلافة عن بني هاشم يُمثل مؤامرة وكراهية من الصحابة، فإنَّ كتبهم المعتمدة تنسب هذا المنع والصرف إلى الله تعالى أولًا، وإلى زهد علي رضي الله عنه ثانيًا:
• نسبة الصرف إلى مشيئة الله في كتبهم: روى المجلسي عن جابر قال: قرأت عند أبي جعفر {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَيْءٌ}، قال: «إنَّ رسول الله حرص على أن يكون الأمر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب من بعده، فأبى الله» [بحار الأنوار، المجلسي، 36/132]؛ فبناءً على روايتهم، الله جل جلاله هو الذي لم يشأ جمع النبوة والخلافة لعلي في ذلك الوقت، فكيف يُلام الصحابة على إنفاذ مشيئة الله؟!
• زهد علي في الخلافة ورفضها: تكشف نصوص "نهج البلاغة" عن أنَّ عليًّا رضي الله عنه كان كارهًا للخلافة زاهدًا فيها؛ حيث قال: «والله ما كانت لي في الخلافة رغبةٌ ولا في الولاية إربةٌ، ولكنكم دعوتموني إليها» [نهج البلاغة، 1/322].
• وقال أيضًا حين طلبوا مبايعته بعد مقتل عثمان: «دعوني والتمسوا غيري..، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خيرٌ لكم مني أميرًا» [نهج البلاغة، 1/136].
• وأكد الباحث الشيعي أحمد الكاتب أنَّ هذه الروايات تكشف بوضوح عن عدم وجود وصية بالخلافة؛ بدليل رفض علي لعرض عمه العباس حين قال له: امدد يدك أبايعك، فرفض علي ذلك ترفعًا وزهدًا. [تطور الفكر السياسي من الشورى إلى ولاية الفقيه، أحمد الكاتب، ص 54].
الخلاصة:
• سقوط الرواية نقدًا: الأثر المنسوب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ساقطٌ وإسناده تالف؛ بسبب كذب محمد بن حميد الرازي، وتدليس ابن إسحاق، وجهالة الراوي المبهم.
• بطلان تهمة الإكراه: صريح القرآن الكريم وروايات تراث الشيعة أنفسهم يثبتان أنَّ الصحابة وفي مقدمتهم الصديق والفاروق هم "المؤمنون حقًا" الذين هاجروا ونصروا الدين طوعًا وحبًا.
• مشيئة الله وزهد علي: كشفت أمهات كتب الشيعة (كبحار الأنوار ونهج البلاغة) أنَّ عدم تولي بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة كان متوافقًا مع الزهد التام لعلي بن أبي طالب الذي فضَّل أن يكون وزيرًا لا أميرًا، ومحكومًا بمشيئة الله الكونية.
• التناقض المنهجي: يعمد مراجع الشيعة إلى التشبث بالروايات المنقطعة من التاريخ لإثبات تهمة المؤامرة؛ مغفلين التناقض الصارخ مع مروياتهم التي تؤصل لمبدأ الشورى وإحجام علي عن طلب السلطة.
اقرأ أيضا| فرية محاولة عمر رضي الله عنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة
• بيان الواقع التاريخي: الخلافة صنو الشورى، وصرفها عن فئة إلى فئة إنما كان لمصلحة الأمة وائتلاف قلوب القبائل؛ ولم يقم على كراهية الأشخاص بل على تحري المصلحة الشرعية العليا.
لتحميل الملف pdf