أثار الطاعنون من الشيعة مطعنًا في عدالة الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه؛ مستدلين بما رواه الحاكم النيسابوري في مستدركه، وذكره من بعدهم عالمهم الطبري في كتابه المسترشد؛ حيث جاء في النص: «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال لي عمر: يا عدوّ الله وعدوّ الإسلام، خنت مال الله، قال: قلت: لست عدوّ الله، ولا عدوّ الإسلام، ولكني عدوّ من عاداهما، ولم أخن مال الله، ولكنها أثمان إبلي، وسهام اجتمعت.
قال: فأعادها علي وأعدت عليه هذا الكلام، قال: فغرمني اثني عشر ألفًا، قال: فقمت في صلاة الغداة، فقلت: اللهم اغفر لأمير المؤمنين، فلما كان بعد ذلك أرادني على العمل، فأبيت عليه، فقال: ولم، وقد سأل يوسف العمل وكان خيرًا منك؟ فقلت: إن يوسف نبي، ابن نبي، ابن نبي، ابن نبي، وأنا ابن أميمة وأنا أخاف ثلاثًا واثنتين قال: أولا تقول خمسًا؟ قلت: لا، قال: فما هن؟ قلت: أخاف أن أقول بغير علم، وأن أفتي بغير علم، وأن يضرب ظهري، وأن يشتم عرضي، وأن يؤخذ مالي بالضرب هذا حديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» [المستدرك على الصحيحين، الحاكم، 2/378؛ المسترشد في إمامة أمير المؤمنين، الطبري (الشيعي)، 1/170].
وقد اعتمد كاتبهم هاشم معروف الحسني على هذا اللفظ العنيف الخشن الذي صدر من عمر في وقت الغضب؛ ليدعي أن عمر بن الخطاب كان يرى أبا هريرة خائنًا لمال المسلمين وغير عادل؛ حيث قال في كتابه: «وعزله عن ولاية البحرين بعد أن ثبت عنده أنه سرق مال المسلمين وخان الأمة، وقال له فيما قال: يا عدو الله وعدو كتابه، سرقت مال الله» [سيرة الأئمة الإثني عشر، هاشم معروف الحسني، 1/264].
الرد التفصيلي على الشبهة:
أولًا: اشتهار أبي هريرة بالأمانة عند النبي صلى الله عليه وسلم وعمر والأمة
إن تاريخ أبي هريرة رضي الله عنه وسيرته العملية تقطع بأمانته ونزاهته؛ إذ نال هذه التزكية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عمر بن الخطاب نفسه:
• استعمال النبي صلى الله عليه وسلم له: من المعلوم المستقر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ائتمن أبا هريرة رضي الله عنه وأرسله مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين؛ من أجل نشر الدين وتفقيه المسلمين، وجمع الصدقات، ولو لم يكن أهلًا للأمانة والعدالة وموثوقًا في دينه لما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم؛ وجاء في سبل الهدى والرشاد: «وكتب عليه الصلاة والسلام إلى المنذر بن ساوى كتابًا آخر: أما بعد: فإني قد بعثت إليك قدامة وأبا هريرة فادفع إليهما ما اجتمع عندك من جزية أرضك، والسلام» [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، الصالحي الشامي، 11/376].
• طلب عمر لتوليته مجددًا: إن أوضح دليل على ثقة عمر بأمانة أبي هريرة هو ما ورد في ذات الرواية التي تحتج بها الشبهة؛ حيث قال أبو هريرة: «فلما كان بعد ذلك أرادني على العمل، فأبيت عليه».
فلو كان عمر بن الخطاب يعتقد أن أبا هريرة خائن للوظيفة أو غير عادل، فكيف يطلب منه مجددًا ويتوسل إليه ليتولى إمارة البحرين مرة أخرى؟! إن هذا الطلب اللاحق يمسح كل أثر للاتهام السابق، ويؤكد أن عمر تحقق من براءته ونزاهته؛ وأن الأموال المأخوذة لم تكن ناتجة عن رشوة أو سرقة، بل عن تجارة حرة رأى عمر مشاطرتها احتياطًا.
ثانيًا: سياسة عمر الإدارية الصارمة مع كبار الصحابة
لم يكن عزل عمر بن الخطاب لأحد من ولاته، أو محاسبته له، دليلًا على اتهامه بالخيانة أو الطعن في عدالته؛ بل كانت هذه سياسته المتميزة القائمة على شدة المتابعة والمحاسبة الدقيقة لكل من يتولى شؤون المسلمين؛ حفاظًا على هيبة الدولة:
• محاسبة سعد بن أبي وقاص: لقد حاسب عمر بن الخطاب وعزل من هو أعلى منزلة وأقدم هجرة من أبي هريرة؛ كعزله لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو أحد السابقين الأولين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وممن ثبتت عدالتهم بنصوص قطعية؛ ومع ذلك عزله عمر عن إمرة الكوفة ليقطع شقاق الرعية؛ وحين حضرته الوفاة قال موصيًا أهل الشورى: «فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة» [صحيح البخاري، 5/17].
• طبيعة العزل والمساءلة: يتبين من ذلك أن عزل الوالي أو تغريمه عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان تدبيرًا سياسيًّا واحتياطيًّا تقتضيه المصلحة العامة، وليس حكمًا بالخيانة أو إسقاطًا للعدالة؛ مما يبطل استدلال الطاعنين بقرارات عمر الإدارية كصكوك إدانة.
ثالثًا: حقيقة مشاطرة عمر لأموال ولاته وتوجيهها الأصولي
إن أخذ عمر بن الخطاب شطرًا من أموال ولاته لم يكن عقوبة على سرقة، بل كان تأويلًا واجتهادًا عمریًّا مبنيًّا على منع الولاة من الاستفادة من جاه الإمارة في تنمية تجاراتهم الخاصة:
• توجيه شيخ الإسلام للمشاطرة: أوضح العلماء أن الولاة قد يُحابون في البيع والشراء نظرًا لمناصبهم، ورأى عمر أن هذه المحاباة هي حق لبيت مال المسلمين؛ ويقول شيخ الإسلام في ذلك: «وكذلك محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية؛ ولهذا شاطر عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة؛ وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية» [مجموع الفتاوى، 28/281].
• براءة ذمة أبي هريرة: لقد أثبت أبو هريرة رضي الله عنه أن أصل ماله جاء من نماء إبله وسهامه، ولم ينكر عمر ذلك؛ بل أخذ نصفه احتياطًا لبيت المال وتبرئة لذمة الصحابي من شبهة جاه الولاية، وموافقة أبي هريرة على دفع المال واستغفاره لعمر دليل على تقواه وإذعانه للنظام العام.
رابعًا: سقوط رواية الضرب وإدماء أبي هريرة
يستند بعض الطاعنين إلى روايات تاريخية تزعم أن عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرة حتى أدماه؛ وهي روايات تالفة ساقطة من جهة النقد العلمي:
• رواية بلا سند: إن الرواية المذكورة في بعض الكتب الأدبية كالعقد الفريد لابن عبد ربه والتي جاء فيها: «ثم قام إليه بالدرة فضربه حتى أدماه» [العقد الفريد، 1/44]، هي رواية خالية من السند تمامًا؛ ولا يُحتج بها في الأحكام أو الجرح والتعديل.
• الرواية الصحيحة تعارض الضرب: يدحض تلك الفرية ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى، وفيه قال أبو هريرة لعمر محذرًا ومبينًا أسباب رفضه: «أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي» [البداية والنهاية، 8/111].
فالضرب وانتزاع المال هنا هو تخوف مستقبلي من شدة عمر العامة وسياسته مع كل الولاة، وليس حادثة تعذيب وقعت لأبي هريرة في الماضي؛ بدليل أن عمر تلطف معه وحاوره وضاحكه قائلًا: «أفلا قلت خمسًا؟».
خامسًا: عوارض الغضب بين الأقران ومثال غضب موسى على هارون
إن الكلمات الشديدة التي قد تصدر في سياق الغضب البشري ومواقف الحساب الصارم لا تؤخذ كأحكام شرعية تقييمية؛ بل تحمل على طبيعة الموقف وغيرة الإمام:
• القياس على غضب الأنبياء: إن غضب عمر بن الخطاب على أبي هريرة رضي الله عنهما يشبه إلى حد كبير غضب موسى عليه السلام على أخيه هارون عليه السلام؛ حيث بلغ الغضب بموسى أن ألقى ألواح التوراة وأخذ برأس أخيه يجره إليه عنيفًا؛ كما حكى القرآن الكريم: {قَالَ يَا بْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 94]، وقال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 150].
• توجيه عالمهم المرتضى للفعل: وجه الشريف المرتضى صنيع موسى مبينًا أنه ليس تخوينًا ولا ذمًا؛ حيث قال: «ليس فيما حكاه الله تعالى من فعل موسى وأخيه عليهما السلام ما يقتضي وقوع معصية ولا قبيح من واحد منهما، وذلك أن موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظمًا لفعلهم مفكرًا منكرًا ما كان منهم، فأخذ برأس أخيه وجره إليه، كما يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب وشدة الفكر، ألا ترى أن المفكر الغضبان قد يعض على شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض على لحيته؟! فأجرى موسى عليه السلام أخاه هارون مجرى نفسه» [تنزيه الأنبياء، ص 115].
وعليه؛ فإن ما صدر من عمر بن الخطاب في لحظة محاسبة عماله هو من هذا الباب، ولا يصح تفسيره على غير وجهه.
سادسًا: اعتراف مصادر الشيعة بوقوع الطعن العنيف بين علمائهم وتبريره
من التناقض العجيب أن مصادر الشيعة تطفح بعبارات طعن وتكفير وتبديع متبادلة بين كبار مراجعهم وأقطابهم؛ ومع ذلك يلتمسون لها الأعذار، بينما يحرمون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك:
• طعن المرتضى في الصدوق: نقل عالمهم نعمة الله الجزائري طعنًا قاسيًا من الشريف المرتضى في الصدوق (ابن بابويه)؛ حيث قال المرتضى: «اعلم أن الذي حكيت عنه ما حكيت مما قد أثبتناه قد تكلف ما ليس من شأنه، فأبدى بذلك عن نقصه في العلم وعجزه، ولو كان ممن وفق لرشده لما تعرض لما لا يحسنه، ولا هو من صناعته، ولا يهتدي إلى معرفته، لكن الهوى مرد لصاحبه، نعوذ بالله من سلب التوفيق، ونسأله العصمة من الضلال، ونستهديه في سلوك نهج الحق، وواضح الطريق» [الأنوار النعمانية، 4/28].
وذكر الكجوري قوله: «وكذلك قال المرتضى: إن الصدوق كذوب في هذه المسألة» [الخصائص الفاطمية، 2/245].
• تبرير الجزائري لهذا الهجوم العنيف: برر نعمة الله الجزائري هذا الطعن والاتهام بالكذب والضلال بين علمائهم بقوله: «وأما علم الهدى، طاب ثراه، فهو وإن بالغ في التشنيع، ولكنه ليس من عدم علمه بجلالة الصدوق، أو أنه يعتقد ويعلم أن ما قاله في شأنه هو الواقع، نعم قد ذهب علماؤنا، رضوان الله عليهم، إلى تغليظ بعضهم بعضًا في مسائل الاجتهاد، ومن ذهب منهم إلى حكم من الأحكام تكلم عليه مخالفوه وطعنوا فيه وجرحوه ونسبوه إلى التخبط في العقل والفتوى حتى لا يتابعه أحد في ذلك الحكم ويرون مثله واجبًا» [الأنوار النعمانية، 4/29].
• وجه الإلزام: إذا كان طعن المرتضى في الصدوق ووصفه بالعجز والضلال والكذب يُعد عند الشيعة مجرد "تغليظ سائغ في مسائل الاجتهاد" لا يسقط مكانة الصدوق لديهم؛ فلماذا يتعاملون مع مراجعة عمر لأبي هريرة في مسألة إدارية واجتهادية على أنها حكم نهائي بالخيانة وسقوط العدالة؟! إن هذا يوضح الكيل بمكيالين في نقد الرجال والوقائع.
الخلاصة:
• بطلان اتهام الخيانة: تبرهن يقينًا أن محاسبة عمر لأبي هريرة رضي الله عنهما لم تكن تخوينًا بدليل أن عمر دعاه ليتولى الإمارة مرة أخرى بعد المحاسبة؛ ومستحيل أن يأتمن الخليفة رجلًا يراه خائنًا.
• السياسة الإدارية العامة: ثبت تاريخيًّا أن محاسبة عمر ومشاطرته للأموال كانت سياسة عامة شملت كبار الصحابة كالأمير سعد بن أبي وقاص؛ صيانة لبيت مال المسلمين، ومنعًا للولاة من استغلال نفوذهم في التجارة؛ وهو عين العدل والاحتياط.
• سقوط روايات التعذيب: تبين خلو روايات ضرب أبي هريرة وإدمائه من الأسانيد العلمية؛ بينما بينت الرواية الصحيحة أن الحوار دار في إطار المشاورة والحرص المتبادل والتخوف المشروع من المسؤولية الشديدة للولاية.
اقرأ أيضا| فرية محاولة عمر رضي الله عنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة
• التناقض الواضح: كشفت وثائق الشيعة التراثية عن وجود طعون بالضلال والكذب بين مراجعهم الأوائل (كالمرتضى والصدوق)؛ ووجدوا لها مخارج واعتبروها من باب الاجتهاد؛ مما يبطل تشغيبهم على مواقف الصحابة الأجلاء الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمانة والفضل؛ إذ كما قال ابن القيم: «كان الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق، وبينهم وبين من بعدهم في العلم واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل والدين» [الصواعق المرسلة، ابن القيم، 2/509].
لتحميل الملف pdf